( وداعا أيتها الشمس \ ربيع دهام )

( وداعاً أيتها الشمس/ ربيع دهام)

ما زلتُ أذكر يوم خذلني قلبي وسقطتُ على رصيفِ الطريق قتيلاً.

وكان ذلك منذ أسبوعٍ أو أكثر، أو أقل، لا أعرف.

وكنتُ أقف حينها، على ما أذكر، أمام بيتي في المدينة، أنتظر تاكسي تقلني إلى المكتبة حيث يقطن أصدقائي الكتب.

وإذ بتاكسي أخرى، يترجّل منها ملاك الموتِ، ليأخذني معه إلى حيث هو، ولستُ أنا، أريد.

ترنّحتُ على الأرضِ كجشرةٍ بُتِر جذعها.

اصطدم صدغي الأيمن بحافة الرصيف الحادة، فشُجَّ.

رأيتُ دمي يكرجُ كالعمرِ أمام عينيَّ.

شاهدتُ الأقدام البشرية تتراكض نحوي بذعرٍ.

قدمٌ تصرخ: ” إسعاف..إتصلوا فوراً بالإسعاف”.

وأخرى تنادي: ” جلطة! جلطة! يبدو أنها جلطة”.

وأنا، المتمسك بما تبقى لي من حياةٍ، بالكاد كنتُ أرى أو أسمعز.. أو أشم.

ضباب الكورتيزول قد أحكم قبضته على حواسي.

كأن داخلي لم يعد ملكي.

كأنه قد سُلِبَ مني وصار مسجّلاً كالوطنِ بإسم مجهول.

بحثتُ بعينيَّ عن الشمسِ.

لكن كيف للعيون الزائغة أن ترى النور؟

أردتُ نزع ربطةَ عنقي، التي أمست مشتقة.

لكن كيف لأصابع الموتِ أن تنتزع أغلال القيود؟

وراحت أنفاسي تطرق باب فمي مستجديةً.

لكن كيف للعبيدِ أن يثقبوا طاقات حرية؟

ودبدبتْ أنفاسي نحو نافذتَي الأنفِ، لكن دون جدوى.

كانت الطريق مسدودة، والأفق مسدلة الستائر. وحده العمرُ كان مثقوباً.

نخره ملاك الموتِ، فراحَ ينزفُ وقتاً.

كساعةِ رمليّة مقلوبة، عمرُ نصفها الأول يفنى، لكي عمر نصفها الثاني يبدأ.

أحان وقتُ فناء عمري الأرضي، وبدء عمري السماوي؟

فجأة رأيت جسدي.

غريب! كيف يرى الإنسانُ جسده من دون مرآةٍ؟

ورحتُ أطوف أنا فوقه كفراشة ترنو إلى وردة.

أو، في هذه الحالة، كذبابة تحجّ لبرميل نفايات.

نعم. جسدي، في ذاك الوقت، أضحى برميل قمامة.

سمعَ البرميل صوت سيارة إسعاف يعلو.

ترجّلت من السياة أيادٍ بشرية، متمنطقة بالصليب الأحمر، وراحت تشد البرميل، نحو الإسعاف المركونة على يمينه.

صوت سيارة إسعاف ثانية!

ترجّلت أيادٍ ترتدي الهلال الأحمر. أمسكت بالبرميل وراحت تشده نحو اليسار.

رجال الصليب يشدون جسدي إلى جهة. ورجال الهلال إلى الجهة المعاكسة.

ومن قوةِ الدفعِ من هنا، وقوة الدفع من هناك، ومن العناد والمنافسة، والتعايش الأخوي، بين الجهتين المتعاركتين، انشطر جسدي إلى نصفين.

هنا، تأكد لي إنني متُّ.

أمتُّ من الجلطة؟ أو متُّ من نزيف صدغي المفدوغ؟ أو متُّ مخنوقاً بعناق الصليب والهلال؟

لا أعرف. لكن تعددت الأسباب والموت واحدٌ.

هكذا يُقال. ولكن ليس صحيحاً كل ما يقال.

وفجأةً، تحرّرت روحي من جنازير الدم وقضبانِ العظامِ.

نعم. متُّ أنا.

وأخذت روحي تطوف إلى السماواتِ سالكة درب الآخرة.

أما الجسد المنشطر نصفين، فاحتار رجال الوطن في أي تربةٍ يدفنونه.

وبينما كانت طريق الروح إلى الله سالكةً، لا يشوبها حاجزٌ طائفي من هنا،

أو هوية دينية من هناك، أو شروط من هنا، أو أحكام من هناك،

كانت الطريقُ إلى عمق الترابِ معقّدة. متفجّرة. مكفهرة. قاحلة.

مليئة بحواجز التصنيفات والشرائع والعنصريّة والطائفية.

الطائفية التي لم أرها يوماً موجودة في الوردِ والشجر والغيوم والجبال والأنهر والتراب.

وفيما كان برميل الجسد يتوجه، بنصفيه إلى برّاد المستشفى، عقدتِ الأقلامُ الدينية إجتماعاً طارئاً، لتقرّر في أي أرضٍ سيوارى جسدي الثرى.

أرادت روحي أن ترجع. أن تعود. أن تقول للناسِ، للدنيا، للبشر:

” يا عالَم. يا ناس. عاملوا جسدي بلا عنصرية. بلا طائفية. عاملوه من دون تصنيفاتٍ. أسعِدوه. كرّموه. رقّوه إلى مستوى حجر! “.

نعم. وهل يسأل الناسُ عن طائفة حجرْ؟.

حاولتُ أن أعود لكن دون طائل.

لم يكن بمقدوري أن أرجع.

فالروحُ التي تذهب لا يمكنها أبداً أن تعود.

نظرةٌ أخيرةٌ إلى جسدي في البرّاد. كم آلمني حين رأيتُ عينيه تبكيان.

تنزّان دمعاً، أو ألماً على شكل دموع.

سقطت الدمعات على جبينه، وقبل أن يطأ ملحُها الأرضَ، تجمّدت.

كل دمعة أرادت أن تنعتق من سجن الخد، قبل أن تطأ أقدامها الأرض، تجمّدت.

ودمعةٌ أخرى تجمّدت.

وأخرى …تجمدت.

وأخرى..وأخرى…

تجمّدت وتجمّدت … واستمرت الحال هكذا.

الجسد يئن. العين تتزف. والدموع تتجمد … حتى عمّ الصقيع العالم!

لا! لم يعد في هذه الدنيا إنسان.

ها قد عدنا إلى العصر الجليدي الأول…

عصر ما قبل الحياة!

عرض الرؤى

معدل وصول المنشور: ٢٠

١١

تعليقان

أعجبني

تعليق

أضف تعليق