( أنا بلا قلب / ربيع دهام)

( أنا بلا قلب / ربيع دهام)

أنا تمثالٌ بلا قلبٍ. أنا هيكلٌ بلا نبضٍ.

أنا لا أشعرُ. أنا لا أحسُّ.

وأنا لا أكترثٌ لجائعٍ يبحث عن لقمةٍ هنا،

أو مظلومٍ يبحث عن عدلٍ هناك.

ولا تهزّني دمعةُ مسكينٍ هنا،

أو صرخةَ طفلٍ يئنُّ هناك.

وما همّني لو فشل أبٌ في تأمين زاد ابنته؟

وما همّني لو بكتْ أمٌ في وداع وليدها؟

نعم، ما همّني؟ ألم أقل لكم؟ ألم أخبركم؟

أنا تمثالٌ بلا قلبٍ. أنا هيكلُ بلا نبضٍ.

وأنا… أنا جفنٌ بلا دمعٍ.

حتى لو غاب كل أبناء الوطن عن الوطن،

وحتى لو صار الوطنُ خمّارةَ تسليةٍ،

يلتقي فيها العاطلون عن الحلمِ، لأجلِ الندبِ ولأجل النقِّ،

ولأجل كشّ ما تبقّى، في ما تبقّى من خضرائنا، من حمام،

لماذا أهتزّ؟

أأنا الذي سبّبتُ هذا؟

أأنا المُدان؟ أنا الملامْ؟

فلماذا أكترث؟ ولماذا أغضبُ؟ ولماذا ينقبضُ قلبي؟

ألم أقل لكم؟ ألم أخبركم؟ ألم أعلمكم؟

أنا تمثالٌ بلا قلبٍ. أنا هيكلٌ بلا نبضٍ

أنا جفنٌ بلا دمعٍ. وأنا لا…لا أريد في الدنيا إلا أن أنام.

البارحةُ رأيتُ عجوزاً يدخل مصرفاً.

فيه أدخر شقاء عمرهِ. وعليه علّق، كشجرة الميلادِ ، أمنياته.

ركنَ حلمه بمرآبه وانتظر.

حلم العجوز بمستقبل زاهرٍ لابنته. بتأمين تحصيلها الجامعي.

بتحقيق حلمها بشهادتها العلمية. بتخرّجها. بنجاحها. بسعادتها.

وراح العجوز يرشُّ فُتات ما استطاع على المبلغ، علّ

الحلمُ يكبرُ ويكبرُ ليمسي على قدرِ طموح طفلته.

وطموحه هو بطفلته.

في ذاك النهار، رأيتُ العجوزَ يُذلُّ.

رأيتُ العجوزَ يُذبحُ. من الوريد إلى الوريد.

شاهدتُ أنفاسَه تنشطر نصفين. تقصر. تتقزّم.

شاهدته بأم عيني.

نعم. بأم عيني.

كان يستجدي صاحب المصرف أن يعطِه ولو جزءاً صغيراً من شقاء عمره.

من تعبه. من أرقه. من عرق يديه.

ورأيت … رأيت دمعةً في عينه تحاول الخروج.

تحاول الهروب من الحنق الذي يكاد أن يتفجّر في داخله.

لكن الدمعة تبخّرت وانكسرت.

الدمعة في داخله انحسرت.

وإلى جحرها تراجعت.

طمرها العجوز في قلبه. دفنها في صدره.

قال للدمعةِ : ” لا .. لا يا دمعتي لا تنزلي.

أنا عزيز النفسِ لا تنزلي. فأنا لا أطأطىء رأسي لإنسان”.

ومشى العجوز وغادر.

رأيته …ورأيتُ أحلامه تهر من رأسه كأوراق الخريف.

تتساقط على الأرض فتدوسها أقدامٌ كثيرة. وأحذية كثيرة.

وقطاعو طرق كثيرون.

وصار وجه العجوز أصفر. وصار عمره الباقي في هذا الزمان أقصر.

وكبُر في ثانيةٍ واحدة سنوات.

وكادت مساماته إن تختنق بالكلمات.

وخرج من المصرف محدودب القلبِ.

مكسور الخاطر. منحني الجبينِ.

كُسِر العجوز. ذُبِح العجوزُ.

كسروه!

أذلّوه!

باعوه!

وكان صوته يحشرج بالصمتِ العزيزِ.

وكان صدره يهتزّ من الألم، لكن العالم لم يدرِ.

أو أنه درى ولم يهتم.

وكيف العالم يهتم وهو مشفول بمراقبة اهتزاز البورصة،

لا اهتزاز الأحلام في شرنقات النفوس الطيبة؟

ويكترث لآخر صرعات الموضة. وما قاله هذا الثري لذاك.

وتلك الصديقة التي غدرت بتلك، ووشت بتلك، وطعنت في الظهر تلك.

أما العجوز.

العجوز المسكين.

كان يدوس على بكائه ويمشي.

ويدوس على دموعه ويمشي.

ويمشى … ويمشى.

ومشى حتى وصل إلى مكان حتفه.

هناك، حمل رفش الخيبةِ، وحفر.

حفر حفرةً في جوف قلبه. وجفرةً أخرى في باطن التراب.

ونام في الحفرةِ.

وألقى على حلمه الثرى وغاب…

ونام …

ونام … ونام.

واضطجع إلى جانبه حلمَه بابنته.

حلمه بحبيبة حياته.

حلمه بفذلةِ كبده.

حلمه بصبيّته. حلمه بأمله الوحيد في الدنيا.

ومات…

مات العجوز.

مات وبكت عليه ما تبقّى في الوطن من شجر.

مات وحزنت على رحيله الطيور والورود وجداول الماء، وحتى الحجر.

نعم. قاسيةٌ مأساة العجوز تلك.

حزينةٌ.

حزينةٌ على الذين لديهم قلب.

على الذين لديهم مشاعر وعقل وإحساس.

لكن عليّ لا.

طبعاً لا.

ألم أقل لكم؟

لا تسألونني لماذا.

ألم أخبركم؟ ألم أعلمكم؟ ألم أبلّغكم؟

ألم أرسل لكم “فويس” على الواتساب؟

و “رسالة إلكترونية” على الفايسبوك؟

ألم أخبركم عبر جميع القنوات الفضائية، التي يتكلمون فيها عن

“الإنسانية”؟

ألم تعرفوا بعد :

” أنا تمثالٌ بلا قلبٍ. أنا هيكلٌ بلا نبضٍ

أنا جفنٌ بلا دمعٍ.

وأنا لا…لا أريد في الدنيا إلا أن أنام”.

أضف تعليق