بين إبتذال الاخلاق
وصحوة الضمير
مقالة بشكل قصة قصيرة
إمرأةٌ
بين إبتذال الاخلاق
وصحوة الضمير
مقالة بشكل قصة قصيرة
بقلم وعد الله حديد
أغلق المصرِفُ أبوابَهُ بعد أن إنصرف العملاءُ جميعاً , طفِقَ العاملون في المصرف يتابعون اعمال مابعد الأقفال , شرَعَ عمالُ التنظيفِ يلتقطون بهمةٍ ونشاط ماتساقط على ارضية المكان من ورق واعقاب سكاير ومخلفات اخرى ويشطفون الارضيات بينما انهمك الاخرون من الموظفين يعيدون ترتيب اوراقهم فيمهدون مواضعاً لبيانات السحوبات والايداع كلٌّ حسب مكانه ولكن أحد اولئك الموظفين كان منهمكاً بشكلٍ استثنائيٍّ غير عاديّ ,إنه امين الصندوق , هاهوبدأ يشدُّ بشعر رأسه ذو الشعرات القليلة البيضاء وينقل يديه لتعبث ببضع شعرات حاجبيه ويمطُّ شفتيه وكأن الجرب قد أصاب منه موضعاً على حين غَرَةٍ , إنه ليس على مايرام , يتأففُ بشكلٍ مثير للشفقةِ والاستغراب ويطلق زفراتٍ تنم عن توتر وضيقٍ شديد,
ترى هل أضاع شيئاً من اوراق وودائع المودعين أم أنه أساء عملية القسمة والضرب فظهرتْ فجوةٌ ونقصٌ نافذٌ في حسابات الساحبين , تصاعدت لديه علامات التوتر فباتَ واضحاً أن يتدخلَ الأخرون فينقذوه من ورطته ويساعدوه على فكِّ لغز التوتر الذي اصابه .
إن الخزنة تُنذرٍ بكارثةٍ وتُعلنُ عن نقصِ مبلغ ثلاثمائةَ دينارٍ , هي كارثةٌ لامحالةٍ في وقت كان فيه الدينار ذو غطاءٍ ماليٍّ قويّ يتغلب فيه على العملة الصعبة الغربية ,لم يكن مرتبُ امين الصندوق الشهري حينها يتعدى حاجز الثلاثون ديناراً ولو أن قراراً صدر بضرورة تسديده المبلغ لاحتاج ان يصوم هو وأهله عشرة اشهر ٍمتتاليةٍ كي يتمكن من تسديد النقص الحاصل في الخزنة.
صدر أمرٌ انسانيٍّ غيرُ رسميّ بتقصي الحقائق ومراجعة معاملات السحب والايداع وبوشر بالاتصال باولئك العملاء الذين كانت لهم زيارة المصرف في ذلك اليوم قدر المستطاع للوقوف على حقيقة أَنهم لم يأخذوا المبلغ سهواً , إعتذر بشدةٍ جميع العملاء الذين تم الاتصال بهم ونفوا ان يكونوا قد إستلموا اية مبالغ خارج مستحقاتهم
على قائمة العملاء الذين كان لهم تعامل مع المصرف ذلك اليوم إمرأةً وحيدةً ,لم تقتنع ادارة المصرف بفكرة الاتصال بها وسؤالها عما اذا كان قد حصل معها أن إستلمت زيادة في المبالغ المصروفة لها , هي إمراةٌ تحوم حولها سمعةٌ سيئةٌ , تتحاشى ادارة المصرف التعرض لها للاستفسار منها خيفة ان يكون ردها بمستوى اخلاقها .
بقي الامر على ماهو عليه عصر ذلك اليوم وغادر الجميع كلٌّ الى بيتهِ وبين اولئك المغادرون هو امين الصندوق لاغيره , كان مثقلاً بالهَمِّ مُتعباً كيف لا وان المبلغ المذكور قد طار من بين يديه دون ذنب اقترفه ووجب عليه الايفاءُ به إن عاجلا او اجلاً .
هاهي ذي شمسُ يومٍ جديد تُنبؤ بأملٍ جديد , توافد العملاء والموظفون على المصرف وكأن شيئاً لم يكن ,إن الامر لايعني احداً بقدر مايعني واحداً من هذا الجمع الوافد على المصرف ,
انه امين الصندوق
وزاول الجميع اعمالهم بنشاطٍ وهمةٍ عاليةٍ ونسوا بل تناسوا محنة الرجل القابع هناك بائساً ينتظر معجزةً تحرره من محنته .
سأل شابٌ عشرينيٌّ موظف الاستعلامِ عن مدير المصرف لأمرٍ ما , قيل له ماخطبك قال الامرُ هامٌ وشخصي ويجب ان اقابل السيد المدير .
مَثُلَ الشابُ امام المدير
قال الشابُّ بأن أُمَهُ قد تسلمت مبلغاً قدره ثلاثمائة دينار زيادةً عما تستحقه وهي تعتذر لكم عن عدم مقدرتها المجيئ لِاعادتها يوم أمس بسبب وعكة صحية قد ألَّمَّتْ بها ,هاهو ذا المبلغ أمامكم بامكانكم ألتاكد منه ,
كم انتِ عظيمةٌ ايتها المرأةُ ,لقد غدر الدهر بكِ يوماً وألقى بك في بؤر الرذيلةِ ولكن في داخلك إيمانٌ وحرصُ امرأةٍ وضعت الخير نصب عينيها , قبل ان تفقد ارادتها في ساعة طيشٍ في زُحمةِ الحياةِ وبؤسها وهاهي اليوم أستعادتها حقيقةً بثقة ومروءةٍ تامتين وبرمشَةِ عين .
يحتكم البشرعلى الضمير, ولكن البعض يفتقر الى الخلق الرفيع وهذا مثالٌ حسنٌ ينطبق تماماً على تصرف المراة التي صدقت مبدأ الامانة ولا نعلم ان كان ذلك بما اوحت لها به اخلاقها قبل ان تؤول الى انحسارٍ ام هي صحوةٌ للضمير فآلتْ إلى اعادةِ مبلغٍ من المال يعتبر ثروة طائلةً في حينها وكان بامكانها شراء بيت جديد بذلك المبلغ الذي وقع بين يديها وهي لم تكن قد سرقته .
وعلى العكس من المرأة فالبعض الأخر من الناس لهم رصيد بالغ الثراء من الاخلاق وحسن السلوك ولكن الضمير عندهم متجمدٌ لايوازي كمية الاخلاق التي بمعيتهم
تُرى . .
هل من علاقة وثقى أو نظريةٍ للموازنة بين الضمير والأخلاق , هل كان هذا وَهْمٌ ومحضُ خيالٍ تَصورتُ أنه موجودٌ من خلال سيرةِ المرأة واخلاقها قبل الحادثة وبين موقفها ورد فعلها عند اعادتها للمبلغ فيما بعد ام ان الامر كله لاوزن ولاوجود له على ارض الواقع.
هذه قصةٌ حقيقيةٌ حدثت في مكانٍ ما من الوطن .
وعد الله حديد

١ارق ملاك
تعليق واحد
أعجبني
تعليق
إرسال