( مملكة الزهور )

قصة قصيرة

بقلم / مصطفى علاء بركات

( مملكة الزهور )

قصة قصيرة

بقلم / مصطفى علاء بركات

بالرغم من شدة شمس الظهيرة و استدارتها المنيرة الكاملة و تعامدها على الارض كعقارب تلك الساعة الواحدة ظهرا ، الا انها لا تعكس اشعتها المضيئة الا لثوان على تلك السنابل ، و سرعان ما تهرب اشعتها سريعا ، و يسرى نسيم رطب من هواء خفيف محمل برائحة تلك الأرض الطينية الخصبة ، الا ان هذا الرجل البدين كان مقفهر الوجه ، ينفخ هنا و هناك و يفتح زرار قميصه العلوى ، مد شفتيه للأمام ، و نظر يمينا و يسارا و قد كسا الاشمئزاز وجهه ، و ضرب بيده اليسرى بقوة على وسطه المستدير الممتلىء ، ثم أشار بذراعه اليمنى بعصبية و قد احمر وجهه بعض الشيء ، ، انتفض الفلاح ذو الشعر الأبيض – الذى كان مرتكزا على ركبتيه العارية المنحنية فانتصبت قائمة بصلابة فى الحال ، وقد بدا من لون بشرته الداكن و كأن جزءا من الأرض قد انشق منها و قفز من مكانه ، هرول سريعا و أشار إلى الآخرين ،،،

فارتفعت خمسة أجساد ملطخة بالطين عبر تلك النباتات الخضراء الداكنة المتلاصقة بقوة ، وكأنها أسياخ معدنية مرنة ، وراحت تهتز أعلاها كرات صفراء مجدولة كضفائر ذهبية لامعة من نبات القمح الذى يمتد لمساحة تزيد عن ١٠ أفدنة ، سار كل منهم فى اتجاه مختلف و فى دقائق قليلة وقفوا أمامه و قد حملوا على رؤوسهم كمية من النباتات تغطيها بقع بنية داكنة تفوح منها رائحة البيض المتعفن

– نظر بغضب شديد و هو يقول : كل شهر … كل شهر هذه الكمية من المرض و الخسائر

وندفع مبيدات ، وندفع سماد ، وندفع لكم أجور و النتيجة ماذا ؟ هذه القذارة !

_ كانوا لازالوا واقفين ، و الأكوام فوق رؤوسهم

أشاح لهم بيده اليسرى، فوضعوها بجوار أشجار ضخمة متشابكة يزيد طولها عن عشرة أمتار ، و تراجعوا للخلف ببطء

– لن أتحمل هذه النفقات مرة أخرى ، و أشار بإصبعه السبابة محذرا ،،،

ثم رفع عينيه للأعلى و قال ( سوف يسألني الله عن ذلك – ماذا سأقول ؟؟!!)

و نظر لهم واحدا واحدا فى وجوههم بغضب شديد ،،،

ومسح الفلاح العجوز يده على صدره ووضع الأخرى على رأسه معتذرا فتساقطت ذرات سوداء – و قال :

” يا سعادة البيه … و الله أرضنا الجنوبية أشد أرض فى الناحية ، محصولها كثير و وفير و مساحتها كبيرة – لكن الوحدة الزراعية … كلما ذهبنا قالوا ( الحصة محدودة ) أو ادفعوا رسوم ..

صرخ الرجل البدين : لن أدفع قرشا أخر

لن أدفع أى شىء ، هذه الأموال أمانة فى رقبتى – و أشار إلى صدره ، أمانة عندى لى و لمن بعدى

ثم نظر لهم و قد اتسعت عيناه و احمرت جبهته العريضة

– لو تكرر هذا الأمر … سأتخذ اجراءاتى

و دخل إلى مبنى يمتد بعرض الأرض الزراعية تقريبا ، تتوسطه فى المقدمة غرفة مستديرة تبتلع نصف المبنى ، بها مكتب سميك القوائم و الأركان تفوح منه رائحة الخشب الأصيل يتسع عرضه لأربعة أمتار ، يتوسطه لوحة ذهبية متوهجة محفور عليها عبارة ( ناظر المزرعة ) – أدار رأسه و رماهم بنظرة أخيرة حانقة و ركل الباب الحديدى العريض الثقيل بقوة فاهتز الحائط قليلا ، و سرت رعشة فى أجساد الفلاحين الخمسة ، عندما ارتطم الباب المعدنى بالإطار الخشبى الأسود المنقوش عليه زهور و أشجار ، و قد انغلق فى وجوههم

ومضى يومان،،،،،

– ثم فى ذلك اليوم و قبل شروق الشمس لمح الفلاح العجوز شبحين يحومان من بعيد حول الأرض الزراعية ، أحدهما طويل و الأخر قصير و بدين ، اقترب منهم بحذر و دقق النظر لهم ، فاتسعت نظراته و فتح فمه بشكل كبير فظهرت كل أسنانه المتآكلة و بها ثقوب سوداء ، فرك عينيه غير مصدق ، لقد وقعت عيناه على ناظر المزرعة يبتسم ابتسامة عريضة ، يبتسم و تضيق عيناه و يهتز جسده البدين من ضحكاته ، و الرجل الأخر طويل القامة يرتدى بذلة رمادية داكنة ، يهز رأسه و يعطى نصف ابتسامة صغيرة تختفي سريعا تحت نظارته الشمسية الضخمة ، و فى اليوم التالي أخرج الفلاحون المكتب الضخم فوق أكتافهم و أذرعهم تهتز من وزنه ، و وضعوه برفق حيث أشار لهم صاحبه ، فى أعلى قطعة أرض بالجانب الأيسر ، تطل على شريط أصفر رملى خالى من أى زرع ، يمتد عرضه لمترين ، جلس بهدوء على كرسيه و هو منتصب الظهر زاوية ٩٠ درجة ، و ذقنه مرتفعة للأعلى بعض الشىء و أشار لهم بأصبعه ليفترشوا الأرض الترابية ، لم تمر لحظات حتى قام مسرعا من على كرسيه نحو رجل طويل القامة و أمسك بيده و أحنى ظهره و هو يجلسه على كرسيه الضخم ، ربت على كتفيه مبتسما

ثم استدار بوجهه للفلاحين ، و قطب حاجبيه لأسفل و قال بصوت حازم رتيب

بدءا من هذه اللحظة … المهندس رائد بيه سيتولى تطوير الأرض

المهندس رائد بيه سينقذنا … و ينقذ أرضنا من الضياع ، ما يأمرنا به سنفعله جميعا .. بلا نقاش و أشار باصبعه السبابة مرتين

نظر الفلاحون لبعضهم ، و التعجب على وجوههم ، والرجل الطويل ثانيَ عطفه عنهم متجاهلهم تماما ينظر يمينه على الأرض الشاسعة يحاول بلوغ نهايتها ببصره

،،ثم قطع الصمت ، صوت ناظر المزرعة الأجش و هو يقول : سنتجه بإذن الله و توفيقه الى زراعة الزهور … العالم كله بلا استثناء … يهتم بهذا النوع من الزراعة .. يدفعوا فيها الملايين

الزهور – الزهور،-نطقها بصوت خافت الفلاح العجوز ،،،

بغيظ رد عليه الناظر :نعم الزهور – هذه الزهور ستحقق لنا أرباحا ضخمة لا يتصورها أحد غيرى ، فى الأجلين القريب و البعيد معا ، و أقرب مثال بجوارنا كانت هناك بالأمس ( مملكة الزهور ) هنا عند مدخل القناطر

– يا باشا ، تابع الفلاح العجوز بكلمات مترددة – سعادتك مملكة الزهور بها أكثر من ثلاثين نفر – و الشمس فوقها ليل نهار ..

جز ( ناظر المزرعة ) على أسنانه فاحدثت صرير معدنى حاد ، و قال بصوت مرتفع : بدءا من هذه اللحظة

سنستعين بالخبراء .. بالمتخصصين

لابد من وقفة جادة لتنظيم الأرض و إصلاح المسار – لا بديل لنا سوى ذلك

اهتزت الأرض بعض الشىء ، و شعر الفلاح العجوز بالأرض الرملية تهتز تحت قدميه و نظر الفلاحين للخلف ،،، لاحت من بعيد سيارتا نقل كبيرتا الحجم ، تتهاديان و تحطمان الصخور تحت عجلاتهما الضخمة

أحدهما فارغة و الأخرى ممتلئة بشتلات و صفوف طويلة من زهور حمراء و صفراء و بيضاء ، و خلفهما جرافتين ( أوناش ضخمة ) حمراء اللون تطعن الأرض بمخالبها بقوة ، ثم تغوص لعمق شديد فى باطن التربة ، ترفع ما قبضت عليه بقوة لأعلى ارتفاع ممكن فى السماء ، ثم تقف لحظات هكذا و تلقيه للخلف بقوة فى العربة الصفراء الضخمة القاتمة ببرود شديد .

( تمت )

من المجموعة القصصية

( جاءنا البيان التالى )

بقلم / مصطفى علاء بركات

عرض الرؤى

معدل وصول المنشور: ٥

٢ارق ملاك وعامر الدليمي

تعليق واحد

أعجبني

تعليق

إرسال

أضف تعليق