قصة قصيرة
بقلم / مصطفى علاء بركات
( شكرا …. يا أمى )
قصة قصيرة
بقلم / مصطفى علاء بركات
فى تلك الغرفة ذات الطلاء الأبيض الداكن االتي تتسع مترين عرضا ، و ثلاثة أمتار و نصف طولا،،
–أمعنت السيدة العجوز ، ذات الوجه الأبيض النضر المشوب بحمرة خفيفة و يرقد شعرها الأبيض اللامع ، فى هدوء على كتفيها,و
كانت ملامحها كلها تحفز و ترقب و هى تقول بحدة :
– قولوا أعجبكم ؟؟
،،لم يرد أحد ، كان الجميع يفترسون ما أمامهم من أطباق ، و بالرغم من سخونة الطعام الشديدة ، و حرارة الغرفة إلا أنهم لم ينتظروا ليبرد الطعام و انقضوا عليه ،،،
— نظرت فتاة فى الثلاثين من عمرها بشفقة ، و قالت و فمها ممتلئ بالطعام
– يا أمى انظرى .. و أسندت بيدها تحت شفتيها لئلا تقع منه بعض البقايا ، و أشارت لتلك الصينية التى لم يتبق فيها إلا كومة صغيرة منكمشة فى الركن ، تتجمع بها حبات من المعكرونة الملتصقة بثبات ، و يغمرها سائل ابيض ثقيل القوام ينساب لمعانا من الأطراف و على السطح طبقة رقيقة تشبه البسكويت البنى الغامق تكاد تسمع صوته يقرمش،،
—
كررت الأم بتلهف :
هل أعجبتكم ؟!
,,
تصاعدت صيحات الاستحسان و الإعجاب و هز أحدهم رأسه و فمه ممتلىء بنصف القطعة الأخيرة المتبقية,
، فهدأت ملامح الأم و سكنت ، و غطت وجهها ابتسامة عريضة
و احمر وجهها احمرارا خفيفا و ضاقت عيناها بعض الشىء و هى تقول
– الحمد لله أنه أعجبكم الحمد لله ، بالهناء و الشفاء و مسحت أطراف الصينية و بقايا من أطرافها لتتذوقها ،
أشارت ابنتها لوعاء أخر به صنف من الخضروات
– من أين جئت بها انها غير موجودة لا فى المتاجر و لا في الأسواق !
،،
نظرت لها أمها كالمعلمة التى تشرح بهدوء
– أشترى كميات و أخزنها ، أنتم تحبونها ، و لها فوائد عديدة للصدر و ممتلئة بالفيتامينات ،،
،،ردت ابنتها بتعجب : ألا تفسد ؟؟!!! … لأن الكمية …
أشارت الأم بإصبعها مقاطعة: نحن نأكلها كم مرة !!.. حوالى ثلاث مرات كل شهرين ، أى كم مرة فى الستةأشهر ..تسع مرات ، فى المرة حوالى ثلاثة أرباع كيلو ، تقريبا سبعة كيلو ، أنظفهم و أقسمهم فى أكياس نأكل منهم حتى الموسم الجديد,,
_ابتسمت الابنة و على وجهها علامات التعجب
والله يا أمى لو لم تتركى العمل فى وزارة التموين و التجارة الداخلية ، لكنتِ أصبحتِ وزيرة ،،
تنهدت الأم و قالت ،بارتياح شديد : الحمد لله … كنتم تحتاجون إلىّ ..
البركة فيكم و أشارت لهم
طبيب ، و مدرس و نائبة رئيس قطاع مثل القمر تجلس أمامى ، و ربتت على كتف ابنتها برفق شديد و حنو
ثم فجأة قالت : تذكرت ماذا ستفعلين يوم الخميس !
،،أحاطت ذقنها بأصابعها،، الله ،،و هزت رأسها
– لا أدرى … الآن نهاية العام لابد من مراجعة الأصناف و التجهيزات و بقايا الموردين ، و ناديه لن تكون سعيدة نهائى و هزت رأسها .. لا يمكن لابد أن أحضر ، هى أصلا شديدة الحساسية و المسافة من الموقع لمدرستها صعبة ، السائق يوصلها فى ساعة ، ثم نظرت الى السقف و هى تعقد شعرها بيديها للخلف فظهرت عبر أصابعها بعض الشعيرات الجافة المتقطعة ، من أطراف شعرها بنى اللون
– لا أعلم يا أمى .. لا أعلم
نظرت لها أمها بعتاب و هى تقول : لقد عرض عليكِ –
الحمد لله حالكم أفضل من غيركم … قلت لكِ يا بنتى ،،
،ظهر الغضب على وجه ( هبة ) :أمى لا داعى لهذا الكلام –
.. هل تعرفين قسط الشقة الجديدة ؟ ومصاريف المدرسة الجديدة ؟ ،،
،، الفصل به عشرة أطفال ، السيارة الجديدة
أشاحت الأم بيدها : مرتفعة جدا ، كيف تنزلى منها ! تحتاج إلى سلم
نفخت ( هبة ) فى غضب و أكملت
– طبيب التخاطب الخاص ب( زياد ) الجلسة ثمنها ألف جنيه
يذهب له أبناء الفنانين و الشخصيات العامة
هزت الأم رأسها و لم يظهر على وجهها ، أى علامة من علامات الاقتناع ..
_أمى لا داعى لهذا الكلام ، سآخذ ( نانسي ) و نبيت فى منزلى أفضل – شكرا يا أمى
و قامت بشكل مفاجىء ، و التفتت تقبض على علبة دواء خاص بمشاكل الهضم عند الأطفال ، و قامت مسرعة تبحث بغضب و عصبية عن حذائها ، فكل مرة تخلعه بمكان ،،
ظهر الاستياء على وجه الأم ، و هى تغمغم و تقول بصوت خافت لنفسها : لا داعى لهذا الكلام ..لا داعى لهذا الكلام
و تنهدت تنهيدة عميقة .
_دخلت هبة إلى منزلها ، كانت الأضواء الخافتة تغطى الجزء الأكبر من حوائط الشقة المطلية باللون الرمادى
,,وضعت نانسي فى فراشها و ذهبت إلى غرفتها ، رأت على التسريحة كومة من النقود الجديدة فئة المائتى جنيه ، فألقتها بلا مبالاة فى حقيبتها ، و أمسكت بكرة مطاطية صغيرة زرقاء اللون ، و ظلت نضغط عليها و تعتصرها بقوة و قد بدا التأثر على وجهها ، ،،أغمضت عينيها
كانت تلك الكرة اشتراها زوجها و أعطاها لها يوم ولادة ( زياد ) كان الحمل صعب و به خطورة على حياتها لوجود مشكلة بالرحم ، لم تنسَ رأس زوجها و هو ملتصق بنافذة صغيرة ، كلما أفاقت من التخدير رأته يلوح لها مبتسما كالأطفال
وضعت الكرة برفق ، و هى تمسك بزجاجة عطر يصل ثمنها لخمسة آلاف جنيه ، بالرغم من أنها كانت مكسورة تماما من المنتصف ، إلا انها شعرت برائحتها الثقيلة النقية ، تمر عبر كل جسدها ،، و أسلمت جسدها للنوم بملابسها
مع دقات الساعة السادسة صباحا ، و قبل أن يرن المنبه الذكى ، قامت مسرعة من سريرها الذى يبلغ أربعة أمتار عرضا ، و تنحني أركانه الأربعة للداخل على شكل ورقة شجر و أطرافه مطلية بلون أصفر داكن ، مشت بخطوات مسرعة تجاه الحمام و بعد دقائق ظلت واقفة تنظر بتمعن إلى ثيابها الممتدة بعرض الغرفة ، حوالى عشرة أطقم رسمية تماما لا تصلح إلا للذهاب للعمل و الاجتماعات الرسمية و بعد نظرات فاحصة ، اختطفت بدلة زرقاء فاتحة و معها تلك رابطة العنق الزهرية النسائية ،
،،فتحت الثلاجة و فى ثوان جهزت علبة طعام المدرسة ، كانت علبة ضخمة بها رغيفين فينو كبيرين جدا و شديدى السماكة ، بداخلهم قطعة سجق ضخمة غليظة و رمت بعض أكياس الكاتشب فى إحدى العلب و سكبت كميات من كيس شييسى ضخم ، ثم جذبت من الثلاجة علبة مياه غازية بدون سكر ، ضمت العلبة الكبيرة إلى صدرها و مشت بخطوات متعجلة ، ووضعتها فى مكان ظاهر لتأخذها معها ابنتها ، حاولت التقاط انفاسها ، و وضعت ثيابها و اختطفت حاسبها المحمول و فوقه علبة طعام المدرسة ، و انطلقت تبحث عن مفاتيح السيارة ، ارتطمت قصبة ساقها بعنف بإحدى المناضد المستديرة الزجاجية ، وضعت كف يدها بقوة على فمها لتكتم صرخة الألم و احتضنت جهازها المحمول و أمسكت علبة الطعام و ركضت إلى سيارتها ،، وصلت عملها فى حوالى السابعة و ما إن دخلت ذلك المكان ، عشرة صفوف من المكاتب ممتدة بشكل متواز ، بكل صف حوالى خمس عشرة مكتبا كانت كل المكاتب مكتظة،، الجميع موجود لا أحد غائب ، و أصوات الأصابع على لوحة مفاتيح الحاسب ، تصنع صوتا مرتفعا بشكل متصاعد كمطارق خشبية لا تتوقف ، سارت بخطوات سريعة منتظمة و عين فاحصة لكل موظف يكتب على الحاسب أو ينظر فى الأوراق ، أو حتى مستغرق فى التفكير للحظات ، مضت بعينيها البنية تتابع تلك الوجوه ، لاحظت نظرات الإعجاب و بعض الآهات الخجولة ، فنادراً ما تتواجد الإدارة العليا فى مثل هذه الأيام الصعبة و إن حدث، يجلسوا بالأعلى و لا يأتوا إلا فى نهاية اليوم ، لمحت فتاة ضئيلة الحجم ، دقيقة الأنف ، طفولية الملامح و هى تخفى عينيها و قد بدا جسدها الصغير يهتز من البكاء ، اقتربت منها وضعت يدها على كتفها ، و قد بدا على وجهها التأثر لهذه الفتاة الباكية
-ماذا بك ؟ ماذا حدث
قالت و الدموع تنهمر من عينيها ، لا أستطيع ضبط هذا الجدول … كل مرة أُخطئ فيه كل ربع سنوى ، و أتعرض للإهانات الشديدة … و استمرت فى بكائها، جلست ( هبة ) بجوارها
و شبكت أصابعها على شكل الهرم
إذن.. فهذا الجدول أقوى منك_
نظرت لها الفتاه متعجبة
نعم …
إذن هو أقوى منك و انتِ تخافين منه
لذا كل ثلاثة أشهر تفشلين فيه،،
_ماذا تقصدين !
أتعرفين !.. كانت والدتى كل يوم تحكى لي قصة( الأميرة و الوحش ذو العين الواحدة )
كانت تحكى القصة بصوت هامس .. ثم عند اللحظة الموعودة تعتدل فى جلستها و تحرك يديها كأنها تمسك شخصا من ياقة قميصه و يهزه بقوة .. تتوقف ثوان عن الكلام ثم تقول بقوة و شكل مفاجىء :
” و أمسكت البنت بالحجر الأملس و ألقته بكل قوتها الضعيفة، فأصابت عين الوحش ، الذى طاشت خطواته ، فوقع على رأسه على حافة الجبل … و لم يقم مرة أخرى “
أتعرفىن كلما خفت من شىء ، تذكرت كلمات أمى ، و جمعت كل قوتى و ألقيت الحجر .. و فى كل مرة .. كان يقع الوحش أو على الأقل يبتعد
ثم نظرت لها و ابتسمت : هيا بنا
لن أقوم حتى تنهيه ، مسحت الفتاة دموعها و لمعت عيناها ، و انكبت على الحاسب بوجهها و جسدها كله – أما ( هبة الفقى ) فلم تجلس خلال الساعة
على أى جهاز و لم تمسك تقارير و لكنها تراقب هذا و تصحح لهذا و توجه ،
هواتفها فى وضع الصامت ، و ساقيها لا تتوقف عن الحركة ، ظهر على الشاشة الكبيرة الرئيس التنفيذي للشركة ، و أول ما أشار إليه كان الإشادة ب ( هبة ) و أنها دائما موجودة ، عندما تحتاجها الإدارة العليا و تحت أى ظروف ، و ابتسم و هو يقول : لا أطمئن إلا عندما تكون موجودة،،
شعرت ( هبة ) ببعض الحرج و نظرت إلى ساعتها الأبل الوردية ، و عليها رسالة من مدرسة ابنتها ، تؤكد على أولياء الأمور بالحضور يوم الأسرة ،،
بعد ساعة من الحركة المتواصلة بلا راحة بين الموظفين ، قفزت فى سيارتها و انطلقت صوب المدرسة ، وما إن دخلت حتى رمت بجسدها فوق أقرب كرسى ، كان فى نهاية القاعة ، وكانت ابنتها على وشك الصعود و هى تنظر حولها هنا وهناك ، ألصقت ( هبة ) ظهرها بالكرسي و غاصت بجسدها لأسفل بعض الشىء و مدت رجليها للأمام و مسحت بيدها على فخذها و هى تضغط بأسنانها على شفتها السفلى من الألم ، أشارت و هى جالسة لابنتها ( نانسى ) ، فلم تلاحظها الأخيرة، حتى نبهتها إحدى المشرفات تدعى / ميس منى – كانت تقف بجوار ( نانسى ) مشت نانسى بخطوات متثاقلة يتهادى جسدها البدين ، كان وجهها مستدير ممتلىء كوجه جدتها ، لكن تعلوه بعض الصفرة الخفيفة ، و بدأت كزملائها بالحديث الحر ، كالمنهج التربوي المطبق بالخارج لهذه المدرسة الدولية
نظرت ( نانسى ) للجالسين ، و للورقة التى أمامها و مدون بها بعض العناوين
و قالت : أمى هى أكثر شخص أحبه
أمى تحبني كثيرا … و أنا أحبها كثيرا،،
عندما تتأخر ، ترسل لى ( عم سيد ) يوصلني إلى هنا ، و عندما يضايقني أحد يذهب للمشرفة .. و يدافع عنى ، أحيانا يكون صوته عالى – و لكنى أحبه ، فهو يقول الحقيقة … و ميس ( منى ) نعلم أسرار بعضنا … لا يشاركنا فيها أحد … هى أيضا تحبني و عندما لا تكون معى علبة الطعام ، تشترى لى ما أحبه – إلا زبدة الفول السوداني ، آخر مرة كان وجهى كله حبوب دهنت لى سائل أبيض … و أصبحت بعد ذلك جميلة .. بلا حبوب ….أمى مديرة كبيرة فى الشركة ، أحبها كثيرا ، و أتمنى دائما الجلوس معها كثيرا ، هى أفضل من كل الألعاب
شكرا يا أمى …
صدر بعض التصفيق من القاعة ، أما ( هبة ) فقد اتسعت عيناها و وضعت يدها على فمها سريعا ، و هى تصدر شهقة و دمعة صغيرة برزت من عينها و هى تنظر لهاتفها الآى فون ، و قد ملأت الشاشة بالكامل صورة حمراء حولها زهور : تتوجه المؤسسة بكافة مستوياتها بكل الشكر و التقدير للأستاذة ( هبة الفقى ) لحضورها المميز معنا .
( تمت )
بقلم / مصطفى محمد علاء بركات