العطش.
صياح النسوة يسمع من بعيد،يختلط مع بكاء الصبية .
المواشي صارت هزيلة.انقطعت الأغنام والماعز عن الرعي .المراعي تخلو من الأعشاب.جل أشجار أهل القرية ،استحال إلى حطب. أسفل الجبل الذي يميل للسواد،تقع القرية البعيدة عن المدينة.
العصافير في رحلة يومية بين العيون الجافة تبحث عن قطرة ماء في هذا الصيف القائظ.حرارة غير عادية،منعت جل سكان القرية ،وخاصة الشيوخ والأطفال من مغادرة البيوت الطينية.النسوة تتجمعن حول البئر الوحيدة،طمعا في الظفر بدلو ماء.الجرار ،كما القلال وضعت حذو البئر.الحمار في غدوه ورواحه ،لجذب الدلو من البئر بدا منهكا.
بسبب شح الأمطار لسنوات متتالية ،تأثرت البئر ،فنقصت المياه بها بشكل لافت.
جفاف،وقيظ…اختفت المحاصيل الزراعية تماما لسنوات ..جوع ،ومواشي نفق جلها.
تجمع أهل القرية أمام بيت كبيرهم.
_الجفاف…الجفاف..لم نعد نتحمل الأمر يا شيخ،صاح منصور.
_الناس في خطر يا كبيرنا…هل من حل؟ هتف الشافعي.
_ الدلو يكاد يخرج فارغا من البئر …لا حظنا ذلك منذ يومين،ولا ندري كم تبقى بالبئر من ماء يا شيخ؟ أضاف مبروك.
كان عباس يصغي جيدا لما يقال.لم ينبس ببنت شفة.مرر أصابعه على شعر لحيته الخفيفة.نظر يمنة ،ويسرة…ساءته الحالة التي بدت على ملامح من حوله…نسوة ،أطفال..رجال..ملابس رثة،هزال يظهر على الجميع…رائحة جيفة بعض الماشية،تصل المكان فتزكم الأنوف…
حرارة غير عادية لم تشهدها القرية منذ عقود .
رفع الشيخ رأسه للسماء..ثم راح يردد على مسامع الحاضرين..
_حذرتكم منذ زمن بقدوم مثل هذا اليوم…
كم من ماجل وفسقية حفرتم ؟
هل حافظتم على البئر ؟
مياه مصيرها الأودية…وأنتم غافلون..ثم
طلب من الجميع العودة لبيوت الطين.
ليلا،قام الشبخ بجولة بالقرية،طالبا من الأهل الاستعداد لصلاة الاستسقاء.
تجمع السكان صباحا متضرعين والشيخ يؤمهم.
حال انتهائهم من الصلاة والدعاء،تجمعوا من جديد ببيت كبيرهم.
_حلي نسوتنا فداء للقرية وسكانها ،صاح عبيدي.
_بغالنا وحميرنا على ذمة القرية لحفر المواجل والفسقيات،هتف الصادق.
فيما ردد الجميع بعد انضمام النسوة والصبية
_بمجهوداتنا كلنا فداء للقرية وسكانها ودوابها وماشيتها،وزرعها وأشجارها.
ثم تفرق الجمع …
حددت أماكن الحفر تباعا ،بالاستعانة بخبرة الشيخ تم اختيار موقع الماجل كما الفسقية .
اكتمل القمر،ومعه أقيم احتفالا لا مثيل له .
بساحة القرية،ذبح عجلا…الغيث تواصل لثلاثة أيام…استبشار وحبور على كل الوجوه.
منسوب البئر ارتفع بشكل لافت…
الصبية يمرحون رفقة أوليائهم وكلهم غبطة بامتلاء المواجل ..
المياه تنساب برفق من الفسقية الكبيرة على سفح الجبل لتسقي شجرة الخروب المحاذية.
صلاح لافي / تونس.

أعجبني
تعليق
إرسال