لمبة الجاز

بقلمى / شريف القناوى

25/5/ 2018

– لمبة الجاز

كنت فى احدى الزيارات لصديق فى منزله الجديد ؛ جلست فى غرفة الجلوس الذى لم ينسى صديقى ان تنال كل العناية المطلوبة لتصبح قطعة فنية متناسقة ؛ كنت انظر وفجاة رايتها معلقة على احد الجدران توجهت اليها اتاكد منها ؛ نعم هى ” لمبة جاز ” تزين الجدار كديكور لا اكثر ؛ عدت مكانى ونظرى وعقلى معها ؛ عادت بى الى سنين طويلة مرت شريط الذكريات وصل الى نقطة البداية ؛ وهى معلقة ايضا فى ركن المنزل مضاءة باللون الاصفر المميز ترى من خلف الزجاج الفتيل مشتعل بالنار يحترق فى بطئ شديد ومن اسفل بقية الفتيل فى اعماق الجاز يسكن لتظل الشعلة مستمرة فى الاضاءة ؛ مازالت رائحة الدخان المتصاعد من فتحة الزجاج فى الاعلى تملئ انفاسى وتملئ كافة اركان المكان.

لكن ليست هذه الذكريات فقط من عادت لتشغل افكارى ؛ لم انسى سحر هذه اللمبة ابدا فعندما كانت تضئ المكان تجد الجميع من حولها جالسين ؛ تحلو الحكايات والضحكات المتصاعدة وهى تحترق تتراقص شعلتها فى صمت ؛ تشاهد سعادة الجمع من الكبير للصغير ؛ ما احلها تلك الايام بسيطة وان كانت صعبة لكن القلوب كانت نقية تنسى سريعا ما يحدث خلال النهار عندما تجتمع من حولها لسرد الحكايات والضحك ؛ كانت ايام تسافر فيها مئات الكيلومترات لزيارة قريب او مريض او حتى صديق لتطمن عليهم ؛ لتصل رحم حتى لا ينقطع ومهما كانت المشقة فى السفر كانت تنتهى عند روية من تحب ؛ ذكريات عادت كادت ان تنسى مع زحمة الايام المتشابكة ؛ تذكرت كيف كانت المنازل كلها من حولى كانت عبارة عن منزل كبير تتنقل من هنا الى هناك كل الابواب مفتوحة دون خوف فالقلوب مترابطة قوية صعب ان تفك هذا التشابك والتلاحم ؛ فيأتى الليل ولا تجد سوء ضوء لمبة الجاز يملئ المكان شديد العتمة ينادى على الجميع بالتجمع سريعا حولها هنا الامان والترابط ويتعلم ايضا الصغار من حكاوى الكبار فليست حكايات عادية يضحك الجميع عليها فقط لكن بداخلها قيم ومبادئ يتورثها جيل بعد جيل .

اتذكر الان عندما تطورت الايام ودخلت الكهرباء المنازل انجاز عظيم وبالتدريج معه بدأت لمبة الجاز فى الرحيل عن الحياة ؛ تنازع لفترة من اجل البقاء كبديل لانقطاع الكهرباء لكن النهاية محتومة ولا سبيل للتراجع عنها ؛ انتهت عن الحياة تاركة خلفها الاف الذكريات ؛ رحلت وعند رحيلها غاب التجمع عن المكان حتى عن البيت الواحد ؛ كل غرفة فى البيت فيها اضاء كثيرة فما الداعى للتجمع الان الا قليلا واوقات معروفة ومحدودة .

تقدمت الايام كثيرا ؛ كالسباق المفتوح تجرى فيه لكن للاسف لا نهاية فيه ؛ تحاول ان تسبق كل من حولك ؛ لا تعلم ما هى شروط الفوز او الخسارة فقط تجرى مع من يجرى دون توقف حتى تلتقط الانفاس ؛ تشعر بالتعب احيانا بالضيق فترات لكن لا تريد التوقف حتى لا تكون وحيدا يوما .

تقدمت الايام واصبحت اسهل بكثير عن الماضى ؛ لكن بالرغم من ذلك زاد البعد بين القلوب ؛ صارت السهولة مبدأ من مبادئ الحياة ؛ يكفى رسالة تهنئة او عزاء او حتى دعاء بالشفاء ؛ لا وقت للزيارة او صلة الارحام ؛ بل على العكس فى البيت الواحد تجد انه تم سرقة الوقت منهم ؛ الكل موجود مجتمعين بذات المكان لكن كل فرد منهم فى دنيا اخرى لا يشعر بمن حوله فهو فى السباق يجرى ولا يريد التوقف .

التكنولوجيا والتطور الرهيب فى الحياة لا انكر انه غيرها للافضل ؛ كثير من الاشيئاء اصبحت سهلة ؛ صار العالم بيت واحد مفتوح لاكتساب المعرفة والخبرات ؛ صارت للحياة روح جديدة تنازع للبقاء ؛ لكن العيب ليس فى التطور والتقدم ؛ العيب اننا نسير خلفه ونترك الاشياء الجميلة فى حياتنا بجانب الطريق دون اهتمام ؛ الخوف مع مرور الوقت وان السباق لا ينتهى نصحو يوما نبحث عنها لا نجدها نحاول ان نعود تكون قد اختفت بلا عودة مثل تلك لمبة الجاز التى صارت زينة بلا قيمة لهذا الجدار

بقلمى / شريف القناوى

25/5/ 2018

قد تكون صورة ‏إضاءة‏

كل التفاعلات:

٥٥

أضف تعليق