منكري السنة المحمدية : القرآنيون المعاصرون وإنكارهم سنـة النبي محمد
( بحث أكاديمي نشر بحولية مركز البحوث والدراسات الإسلامية – جامعة القاهرة – العدد 4 – عام 2008م )أد/ خالد عباس القط
سلسلة مقالات بحثية عن :
منكري السنة المحمدية : القرآنيون المعاصرون وإنكارهم سنـة النبي محمد
( بحث أكاديمي نشر بحولية مركز البحوث والدراسات الإسلامية – جامعة القاهرة – العدد 4 – عام 2008م )
.
المقالة الرابعة : ( أدلة القرآنيين لإنكار حجية السنة النبوية المحمدية )
.
أدلة القرآنيين لإنكار حجية السنة النبوية المحمدية !!
وقف القرآنيون وقفة عداء تجاه السنة النبوية المحمدية، رافضين آيات القرآن الكريم التي توجب الطاعة الكاملة لله ،ولرسوله ،فحاولوا من خلال هذه الوقفة العدائية تلمس أدلة ،وحجج ينطلقون من خلالها لرفض حجية السنة المحمدية الطاهرة .
ولعل من أشهر هذه الأدلة ما يلي :
الدليل الأول – اعتقاد أغلب القرآنيين أن القرآن الكريم كاف في بيان قضايا الدين ، وأحكام الشريعة، وأنه قد اشتمل علي الدين كله بجملته وتفصيله وأنه ما فرط في شيء ومن ثم لا حاجة لمصدر ثان للتشريع ، ودليل ذلك قوله تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء (الأنعام/38).( 9)
.
لاشك أن الأمة الإسلامية مجمعة علي أن القرآن الكريم اشتمل الدين مجملا في كثير من جوانبه ، ومفصلا في جوانب أخري ،وقد جاءت السنة المطهرة فبينت ،ووضحت المجمل ففصلته ، وهذا التوضيح هو تنفيذ لأمر الله تعالي مما وكله الله تعالى لرسوله ، أي أن من حكمة الله تعالى إتيان المجمل ، كي يتولى الرسول توضيحه ،وشرحه توضيحا عمليا مشاهدا أمام الصحابة رضوان الله عليهم ، وتشريفا له ، فأصبح بذلك هو معلم الأمة ،الشارح لأحكام الدين وتفصيلاتها ،والتي جاءت مجملة في القرآن الكريم ، والأدلة على ذلك كثيرة ، ولعل من أهمها :
الصلاة – التي هي عماد الدين ، فليس في القرآن عددها ، وأوقاتها ، وعدد ركعاتها وسجداتها وهيئتها وأركانها وما يقرأ فيها وواجباتها وسننها ونواقضها ، وغير ذلك من صلوات ( الجنازة والعيدين والاستسقاء والكسوف والحاجة …) ، إنما جاءت به السنة النبوية شارحة ،ومفصلة ،ما أجملته آيات القرآن الكريم عن إقامة الصلاة أو إيتاء الزكاة .
ويقال في الزكاة والحج والصيام كما قيل في الصلاة ،بأن مشتملات هذه العبادات ،جاءت مشروحة في السنة النبوية العطرة مما جاء به القرآن الكريم مجملا.
فمن أين علم المسلم أنصبة الزكوات في النقود والتجارة وما يستخرج من الأرض والذهب والفضة والحبوب والإبل والبقر والغنم والزروع ، وغير ذلك ؟ فقد بينتها السنة النبوية أحسن بيان .
ومن أين علم المسلم أحكام الصيام من حيث : أركانه وسننه وفضله وما يستحب وما يكره وما يبطل وما يباح في الصوم وواجباته وكفاراته وقيام الليل والاعتكاف وشروطه وغير ذلك مما وضحته السنة النبوية العطرة ؟؟!
بل ومن أين علم المسلم أحكام الحج والعمرة من حيث : الحكم والشروط والأركان والواجبات والمحظورات والكفارات …،وغير ذلك من مناسك الحج والعمرة مما أتت به السنة النبوية ، تشرحه بلا غموض أو إبهام .
وفي مجال الأسرة – من أين علم المسلم المحرمات من الرضاع ،وزواج المتعة ،والشغار ،وزواج المحرم ،وأقسام الطلاق ،والخلع ،وشروطه ..وغير ذلك !!
ومن أين علم المسلم – كذلك- بالبيوع المحرمة من : بيع الربا وبيع الخمر وبيع لحم الخنزير والغرر والغش والخداع وبيع الأصنام ؟؟!
ومن أين علم المسلم بالأطعمة المحرمة من: كل ذي مسكر ،وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير والحمر الأهلية …وغير ذلك مما جاءت به السنة النبوية فوضحتها أحسن توضيح.
ومن ناحية أخرى- فقد أجمع المفسرون على كون ( الكتاب ) في قوله تعالي ما فرطنا في الكتاب من شيء يراد به اللوح المحفوظ وليس القرآن الكريم ، ذلك لأن مضمون الآية يدل علي عظيم علم الله تعالي ، وإحاطته بكل شيء في الوجود من دواب ،وطيور ،…. وغيرها .
ومن ناحية ثالثة – مجيء الأمر الإلهي بطاعة الرسول الكريم والاقتداء به ، وأن العمل الحقيقي للمؤمنين حينما يكون مطابقا لما فعله الرسول الكريم ، مشاهدا أمام الصحابة ،وذلك لقوله تعالى يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ،وأطيعوا الرسول ،ولا تبطلوا أعمالكم ( محمد/33) ، وقوله تعالى وما أتاكم الرسول فخذوه ،وما نهاكم عنه فانتهوا (الحشر/7) .(10)
ولا شك أن من تمسك ببعض الآيات القرآنية ،عليه التمسك بالبعض الآخر ؛ ذلك لأن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا وتكمل آياته بعضا ، فهو كل متكامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فاعتقاد القرآنيين ببعض الآيات وغض أبصارهم عن البعض الآخر -عمداً- تكذيب لآيات القرآن الكريم !!!
فأين هؤلاء من قوله تعالي وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (النحل/44) ؟!
وأين هم من قوله تعالي لقد من الله علي المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (آل عمران/ 164) ؟!
وهل غفل هؤلاء عن قوله تعالي ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (الجن/23) . ؟!
.
الدليل الثاني – إيمان بعض القرآنيين بأن السنة النبوية ليست وحيا من قبل الله تعالى ،ولكنها اجتهاد وتصرف من الرسول ، وبالتالي ليست منزهة عن الخطأ، لأن المنزه عن الخطأ ،إنما هو الوحي ، ولا وحي إلا القرآن الكريم .!!
ومن أمثلة اجتهادات الرسول التي تبين خطأها ما يلي :
أ- نزول جيش المسلمين في غزوة بدر منزلا، ثم تبين خطأ هذا المنزل فانتقل الجيش إلي منزل آخر بناء على رأي الصحابي الجليل ( الحباب بن المنذر) .
ب- مسألة أسرى بدر، حيث أخذ الرسول منهم الفداء، ثم نزل القرآن الكريم مبينا خطأ اجتهاد الرسول ،والأخذ باجتهاد ( عمر بن الخطاب).(11)
.
لا شك أن اجتهادات الرسول في الحياة العامة ، لخير دليل على بشريته وإنسانيته ، ورفض أي غلو في حقه .
أ- ففي المسألة الأولى : اتخذ الرسول برأي ( الحباب بن المنذر) بأن يأتي الناس بأدنى ماء من جيش المشركين، فيخرب ما وراءه من الآبار، ثم يبني عليه حوضا، فيملأ بالماء ، ثم يقاتل المشركين فيشرب المسلمون ، ولا يشرب المشركون .
نقول إن هناك دروساً ، وعبراً تستفاد من هذه الواقعة منها :
أولا – إن الاجتهاد مادام مقصده الحق ،والخير فلا عقاب عليه طالما لا نص فيه.
ثانيا– تأكيد مبدأ الشورى في الإسلام .
ثالثا– القائد الناجح هو الذي يأخذ برأي الجميع لما فيه المصلحة العامة ، وليس برأيه المستبد .
رابعا– عظمة القيادة النبوية في الاستماع إلي الخطط الجديدة المطروحة من جندي ، أو قائد من القادة.
وانطلاقا مما سبق ندرك أن قول القرآنيين مقصده : القدح في شخص الرسول ،وإثبات خطئه للوصول لنفي عصمته، ومن ثم لا وثوق فيما يقوله بعد ذلك . (12)
ب- وفي المسألة الثانية : يمكن التماس الكثير من العبر المستخلصة ولعل منها .
أولا- تأكيد مبدأ الشورى في المجتمع الإسلامي خاصة الشورى في الحروب ،لأنها تقرر مصير الأمم ، إما إلي العلياء ،وإما تحت الغبراء.
ثانيا- مسألة أسرى بدر من أقوى الأدلة علي صدق رسالة الرسول الكريم ،وما جاء به من قرآن عظيم ،لأنه لو كان من عنده ، ما كان يعاتب نفسه علي عمل قام علي رأي كثير من الصحابة.
ثالثا – إن الاجتهاد الذي مقصده الحق لا عقاب عليه ،وإن للقائد حرية الاختيار بعد الشورى في اتخاذ ما يراه صالحا للجميع
فكان أمام الرسول المصطفى أربعة أحكام :
أ- (قتل الأسرى) : وهذا ما ذهب إليه (عمر بن الخطاب ) ، وهذا الرأي أخذ به الرسول حينما قتل( عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ) ؛ لأنهما كانا من الطغاة المعادين للإسلام ،فبقاؤهما يعد مصدر خطر كبير
لاسيما في الظروف الحاسمة التي تمر بها الدعوة الإسلامية .
ب- (المن ) : وهو إطلاق الأسير دون مقابل ،وهذا ما فعله الرسول مع ( أبي عزة الجمحي) .
ج- (الفداء): وهو ما ذهب إليه (أبو بكر الصديق ) ،وعمل به مع ( عمه العباس ونوفل بن الحارث وعقبة بن أبي طالب ) ، ومن لم يملك الفداء قام بتعليم عشرة من الصحابة الكتابة والقراءة.
د- (الاسترقاق) : وهو ما حدث مع يهود (بني قريظة) ، وقد حكم فيهم
( سعد بن معاذ) ، بأن يقتل المحاربون ،وتقسم الأموال ،وتسبى النساء والذراري .
رابعا- العظمة المحمدية تجاه الأسرى ، بأن يعاملوا أحسن معاملة ،وأنه يجب أن يستوصوا بهم خيرا ، حتى وجد الأسرى أنفسهم تجاه أخلاق إسلامية رفيعة ، مما دعاهم إلي الدخول في الإسلام الحنيف.
خامسا – الدليل على براءة الرسول في هذه الواقعة وجوه :-
أ- إنه إما أن يكون قد أوحي إليه جواز الأسر، أو لم يوح إليه شيء .
فإن كان قد أوحي إليه شيء ، لم يجز أن يستشير الرسول الصحابة في ذلك ،لأنه مع قيام النص الديني ، وظهور الوحي لا يجوز الاشتغال بالاستشارة ، وإن لم يوح إليه شيء ، لم يتوجه إليه ذنب أبدا.
ب – إن ذلك الحكم لو كان خطأ ، لأمر الله تعالي بنقضه ، فيكون الأمر بقتل الأسرى ورد ما أخذ منهم ، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يوجد خطأ في ذلك الحكم ،ولم يشتغل الرسول باستغفار،أو ندم على ما أقدم عليه.(13)
وانطلاقا مما سبق ندرك أن اعتقاد القرآنيين وما يبثونه من سموم فكرية، لدليل على حقد دفين تجاه صاحب الدعوة وما هذا الطريق إلا طريق سار فيه من قبل أهل الحشو، والبدع والضلالة ، وجاحدوا الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
.
الدليل الثالث – اعتقاد أكثر القرآنيين بأنه لو كانت السنة النبوية وحيا كالقرآن الكريم ، لتكفل الله تعالي بحفظها وهذا دليل علي أن الدين ليس بحاجة إلي السنة ، وأن الوحي الحقيقي ،هو الذي لا يمكن الإتيان بمثله ، أما الأحاديث النبوية فيمكن الإتيان بمثلها من الأحاديث الموضوعة !!.(14)
.
لا شك أنه من الخطأ الواضح من يعتقد أن الدين ليس بحاجة إلي السنة النبوية ، وهذا دليل لرفض حجية السنة النبوية كلها ، وليس معنى وجود العديد من الأحاديث الموضوعة إنكار ، ورفض السنة بأكملها ؟!!. وقد من الله تعالي على الأمة الإسلامية ، بعلماء أمناء قاوموا الوضاعين الكذابين ، وتتبعوهم حتى ميزوا باطل الحديث من صحيحه ،وبذلوا في ذلك الأمر جهودا عظيمة في سبيل حفظ المصدر الثاني للشريعة الإسلامية الغراء ( السنة النبوية العطرة) ، والتي هي وحي من الله تعالي ؛ لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وقد جاءت آيات القرآن الكريم ساطعة مضيئة كضوء الشمس في وضح النهار ، توجب الاقتداء بتعاليم الرسول المصطفي المتمثلة في الحكمة النبوية ، والمقترنة بآيات القرآن الكريم الحكيم ، ومن ثم فقد أجمع علماء السلف الصالح انطلاقا من الآيات القرآنية علي كون الحكمة هي : السنة النبوية المحمدية ، وذلك مصداقا لقوله تعالي كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة (البقرة/151) ، وقوله تعالي واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به (البقرة /231) .
وانطلاقا مما سبق:- ندرك أن الكتاب هو القرآن الكريم ،وأن الحكمة هي السنة النبوية المحمدية العطرة التي أمرنا بالإقتداء بها. (15)
.
الدليل الرابع – اعتقاد معظم القرآنيين بأن( تدوين الحديث النبوي) كان متأخرا عن عصر الرسول نفسه ،ثم دونت السنة متأثرة بالخلافات المذهبية ،والسياسية ،والفقهية مما دعا إلي الشك في صحتها،
ويري آخرون أن الحديث النبوي الشريف لهو ( اللهو) بعينه الذي أضل المسلمين، وأبعدهم عن نور القرآن الكريم قرونا طويلة.!!
ويري آخرون كذلك أن السنة النبوية كلها عمل شيطاني رواتها مجرمون خونة !! (16).
.
هذا الاعتقاد كشف اللثام عن قصد القرآنيين إنكار السنة النبوية المحمدية جميعها، وعدم الاعتراف بفضل الصحابة ، والتابعين ، وتابعي التابعين ، وغيرهم .
وهذا الاعتقاد كذلك كشف اللثام عن اتخاذ القرآنيين لمنهج أعداء الإسلام من المستشرقين الغربيين تجاه رفض السنة المحمدية ،وغرس بذور الشك في قلوب المسلمين للقضاء علي الإسلام واختيار بديلا عنه!!
والحقيقة أن ( تدوين الحديث النبوي ) يمكن إجماله في هذه النقاط :
أولا :- إن الرسول الكريم نهى الصحابة عن كتابة الحديث خشية اختلاطه بآيات القرآن الكريم ، وكان ذلك مع بداية الوحي الإلهي المنزل علي الرسول
ثانيا :- إن الرسول قد أذن بالسماح بتدوين نصوص من السنة لظروف، وملابسات خاصة ،والسماح لبعض الصحابة أن يكتبوا السنة لأنفسهم ،ومن ثم يمكن القول: إن أحاديث الرسول في السماح بالكتابة ، قد نسخت أحاديث النهى عنها.
ثالثا:- إن من الصحابة من كانت لديه صحفا كتب فيها الأحاديث النبوية ، وكانوا يبرزونها إذ اجتمع الناس معهم ، فكانت ( الصادقة) صحيفة كتبها الصحابي الجليل ( عبد الله بن عمرو بن العاص) عن رسول الله ، وكان لكثير من الصحابة أمثال ( عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود ،وسعد بن عبادة ، وهمام بن منبه….، وغيرهم ،وأن هذه الصحف قد اندمجت ، وذابت في المؤلفات المتأخرة لعلماء الحديث الشريف.(17)
رابعا:- حينما انتشر الإسلام ،وذهب عذر اختلاط السنة بالقرآن ، أمر الخليفة العادل ( عمر بن عبد العزيز) بتدوين السنة النبوية ، وجمعها خشية ذهاب العلماء ،ودروس العلم، وصيانة السيرة الرسول المصطفى ،وذلك كله تحت إشراف حكومته ،وعلماء مخلصين أوفياء تمنع الزيادة ، والنقصان ، والتحريف أن تنال من السنة النبوية المحمدية أمثال : ( أبو بكر محمد بن حزم 117هـ ، وعمرة بن عبد الرحمن98هـ ،والقاسم بن محمد 107هـ ،وابن شهاب الزهري 124هـ..) ، ثم من بعدهم انتشرت حركة التدوين ، ولعل من علماء هذه الفترة المتواصلة ( ابن جريح المكي 150هـ ، وابن إسحاق 151هـ ، ومعمر اليمني 135هـ ، وابن المبارك 181هـ ….وغيرهم كثير .
خامسا:- مرت حركة التدوين هنا بمرحلة التفرد ، أي إفراد أحاديث الرسول في مؤلفات خاصة خالية من تفسير وفتاوى الصحابة ، والتابعين تجمع فيها أحاديث كل صحابي تحت اسم مسند فلان ..، وهكذا حتى كثرت المسانيد ، ولعل من أشهرها: (مسند أبي داود 204هـ ، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 241هـ ، ومسند عثمان بن أبي شيبة 239هـ ..،وغيرهم كثير .
سادسا :- دونت السنة الصحيحة في ذلك العصر الذي ألفت فيه الكتب الستة الصحيحة للأئمة الثقات ( البخاري ،ومسلم ،والترمذي ،وأبي داود ،وابن ماجة ، والنسائي ) مرتبة علي أبواب ،ومقترنة بالتشدد في صفات ،وشروط الرواة من العقل ،والضبط ،والعدالة ،والإسلام ، حتى كثرت مؤلفات الجرح والتعديل والضعفاء ، والمتروكين والوضاعين، كل ذلك من أجل صيانة السنة النبوية العطرة .
سابعا:- إن من يشك في صحة الحديث النبوي من هؤلاء القرآنيين فليلتمس حديثا آخر غيره !!
ولا شك أن هذا الاعتقاد قدح في جهود هؤلاء العلماء الأجلاء ، واتصافهم بالمؤامرة والكذب !!.
ولا شك أن هذا الاعتقاد كذلك يرفضه كل من يعرف أهل الحق من علماء السنة والجماعة رضوان الله عليهم أجمعين ، وتكذيبا لآيات القرآن الكريم التي تحث علي طاعة الرسول ،التي هي من طاعة الله تعالي ،وأن معصيته من معصية الله تعالي ،وذلك لقوله تعالي وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( الأنعام/153) ، وقوله تعالي قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( آل عمران /30-31). ) ، وقوله تعالي وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (النساء/14).
أما من اعتقد بكون السنة المحمدية عملا شيطانيا ، فيقصد بذلك الشك فيها وإنكارها كي يصل إلي إنكار الإسلام كله طالما اخترعت السنة من قبل هؤلاء حينئذ :- لا صلاة ،ولا زكاة ،ولا صوم ،ولا حج ،ولا مكارم للأخلاق ،ولا معاملات إسلامية بين الناس ،ولا عقائد ، ولا إسلام بعد ذلك ، وما ذلك إلا اعتقاد ملحدين ماسونيين بهائيين طردوا من بلاد الحق إلي بلاد الباطل تستقبلهم ، وترعاهم فيدّعون النبوة ، ويسطرون بأقلامهم المسمومة المأجورة الشك في نفوس المؤمنين ،والحقد علي الإسلام والمسلمين.(18)
.
الدليل الخامس – إيمان أغلب القرآنيين بأن ( كثرة الوضّـاعين ) للأحاديث النبوية قد أضعفت الثقة بالسنة المحمدية!!(19) .
أولا:- على الرغم من الأحداث الجسام التي مرت بها الأمة الإسلامية ، وكان منها قاصمة الظهر ، ومصيبة العمر وفاة ( الرسول الكريم )..،ثم ارتداد المرتدين ..،وظهور المتنبئين .. ، ومانعي الزكاة …،وظهور الفتن والأهواء..، والقوميات والعصبيات ..، ومقتل ذي النورين ..، والخلاف بين ( الإمام علي بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان)..،ومقتل الحسين في كربلاء …،وظهور الحاقدين الكذابين الذين استباحوا لأنفسهم أن يضعوا أحاديث كذب في لفظها ،وجرسها ،ونسبوها كذبا إلي الرسول الكريم من الزنادقة ، وأصحاب الأهواء والبدع والزهاد الجهال والسواقين والقصاصين وأصحاب الأمراء والشهرة …بسبب من عداء للإسلام أو خصومات سياسية أو خلافات كلامية ومذهبية أو عصبية قومية….. وغير ذلك. نقول إنه علي الرغم من هذه الأحداث الجسام فقد منّ الله تعالي علي أمة الإسلام بعلماء أمناء ، قاوموا الوضاعين ، وتتبعوهم حتى ميزوا باطل الحديث من صحيحه ،وبذلوا جهودا عظيمة في سبيل حفظ الشريعة الإسلامية لمصدرها الثاني السنة النبوية المحمدية .
وكان أول هؤلاء العلماء الأمناء : هم الصحابة رضوان الله عليهم الذين – بفضل الله تعالي – نقلوا إلينا آيات القرآن الكريم نقلا متواترا صحيحا أفلا ينقلون إلينا أحاديث سيد الخلق نقلا صحيحا؟.(20).
إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا علي خشية من الله تعالي ، وتقـوي يمنعهم من الافتراء علي الله تعالي ، ورسوله ،وقد كانوا علي حـرص شديد علي الشريعـة ،وأحكامها ،والدفاع عنها ،وتبليغها إلي الناس كما تلقوها عن الرسـول الكريم ، وتحملوا في سبيل ذلك كل تضحية ،وخاصموا كل من يرون فيه انحرافا عن دين الله تعالي ،ولا يخشون لوما ،ولا موتا ،ولا أذى ، ذلك لأنهم أحبوا الإسلام ، وفدوا الرسول بأرواحهم ،وأموالهم ،وهجروا في سبيل الإسلام أوطانهم ،وأهليهم .
فهل يتصور لهؤلاء الصحاب أن يقدموا علي كذب مهما كانت الدواعي ؟؟!!
فكفي الصحابة فخرا أن الله تعالي اصطفاهم لصحبة الرسول ، وأن ذكرهم باق إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وصدق الله العظيم إذ يقول والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ( التوبة /100)
وقوله في الحديث الذي رواه الأئمة الثقات عن عبد الله بن مغفل قال. قال رسول الله : ” الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم ، فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذي الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه ” .(21)
ثانيا :- حينما بدأ الأمر بتدوين السنة النبوية اقترن اقترانا وثيقا بالتحري الدقيق لصحة الأحاديث النبوية ، وذلك بالرجوع إلي الصحابة والتابعين وأئمة الحديث والتشدد في صفات وشروط الرواة من العقل والضبط ،والعدالة، والإسلام ،حتى كثرت مؤلفات الجرح والتعديل والضعفاء والمتروكين والوضاعين ، كل ذلك من أجل صيانة السنة النبوية العطرة ولعل من أشهرها : الجرح والتعديل للرازي ، وميزان الاعتدال للذهبي ، وتهذيب التهذيب لابن حجر ، والعلل للإمام أحمد بن حنبل ، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ، والناسخ والمنسوخ لابن دعامة ، والموضوعات لابن الجوزي ،…) وغير ذلك من مؤلفات العلماء الذين وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق بين أمم الأرض ، وأن جهدهم في ذلك تفاخر به الأجيال جيلا بعد جيل ، لا ينكره إلا حاقد عليهم ، وعلي سنة نبوية صحيحة !!!!.
وليبحث القرآنيون عن علماء غير علمائنا ، وعن أمة من الأمم غير أمتنا الإسلامية ،وعن دين ورسول غير ديننا ورسولنا .( 22)
أد/ خالد عباس القط

كل التفاعلات:
٥٥