( مأساة كوكب/ ربيع دهام)

( مأساة كوكب/ ربيع دهام)

طرقت الشمسُ بابَ الأرضِ وقالت:

– ما بكِ حزينة تئنّين، وكل دموع الأسى تذرفين؟

أجابتِ الأرضُ:

ابعدي عنّي النور، فوالله، ما النور إلا أحنحة بعوضةٍ وطنين.

للحظةٍ، تسيّد الصمتُ الزمان إلى أن أنزله الكوكب الأزرق عن عرشه،

حينما أفشى:

– أسألكِ أيّتها الشمسُ. ما نفع الحياة لمَن هم بمثلي؟

– لا. لا تقولين هذا، قالتِ الشمسُ.

فحدّثها الكوكبُ الأزرقُ:

– ألفُّ الفضاء وأطوف، ولا أعثر على صديقٍ أحادثه.

وأقطع المسافات وأفتِّشُ، ولا أصادف أخاً أصادقه.

فكل ما حولي ميِّتٌ، وأنا الحيّ الوحيد هنا.

يحاصرني الحتفُ والموتُ، وحطامٌ جامدٌ مبينْ.

هذه الزهرة والمريخ. وتلك عطارد والمشتري.

وهناك زُحل وأورانوس ونبتون. والقمر والمذنبّات والنجوم.

كلُّهم يسيرون بلا روح، ويركضون بلا هدف.

ويدورون بلا وصول. ويجذّفون بلا شاطئ.

أصرخُ وأناديهم، ولا حياة لمن تنادي.

أتبرّج لهم بالأزرق. أتكحّل لهم بالأخضر.

أضع على جسدي كل أصناف المساحيقِ.

لكن لا!

لا حياة لمن تنادي.

فكلُّ ما حولي فناءٌ، أو وجودٌ خادع ٌمن ركام.

وذاك موتٌ أقسى من الموتِ.

الحيُّ الوحيدُ وسط الحطام.

فقالت الشمسُ:

– ألا تفرحين أنّك، عن غيرك تختلفين؟

ألا تسعدين أنك بمعجزة الحياةِ في أحشائكِ تنعمين؟

وعلى عرشِ نظاميَ الشمسي تتربّعين؟

ألا يعجبك نوري الذي بدفئه، أنت وأولادك تستمتعين؟

ارتجفت الأرضُ وقالت:

– أولادي؟!

ثم أكملتْ:

– ابعدي عني هذا النور. فوالله. ما هو لي إلا أجنحة ذبابٍ وطنين.

فصاحت الشمسُ بغضبٍ:

– أهكذا معي تتكلّمين؟

صمتتِ الأرضُ ولم تجب.

ولمّا عجزت الشمسُ عن مواساتها، وضّبت نورها في حقيبتها.

سلّمتها للقمر ورحلت.

وأكملت الأرضُ بصمتٍ بكاءها.

“أولادكِ”، استذكرت كلام الشمسِ.

وغاصت في دهاليز يأسها صامتةً.

إلى مَن تشتكي؟ إلى من تبوح؟

فهي أمُّ. والأم،

لا تفضحُ أبداً خذلان بنينها.

فلذات كبدها الذين، وهم في أحشائها، خانوها.

عرض الرؤى

معدل وصول المنشور: ١

كل التفاعلات:

١Mansour Benmansour

أضف تعليق