رجال ومواقف…11
خرج مصعب يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله عليه الصلاة والسلام فما ان بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا..علي حال مصعب الخير
ذلك أنهم رأوه.. يرتدي جلبابا مرقعا باليا وعاودتهم صورته الأولى قبل اسلامه حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة جمالا واروع وعطرا..
وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة شاكرة محبة وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة وقال
لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله
لقد منعته أمه حين يئست من ردّته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة.. وأبت أن يأكل طعامها انسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها حتى ولو يكون هذا الانسان ابنها..!!
ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة. فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه..
وانها لتعلم صدق عزمه اذا همّ وعزم فودعته باكية وودعها باكيا..
وكشفت لحظة الوداع عن اصرار عجيب على الكفر من جانب الأم واصرار أكبر على الايمان من جانب الابن.. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك لم أعد لك أمّا اقترب منها وقال
يا أمّه اني لك ناصح وعليك شفوق فاشهدي بأنه لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله…
أجابته غاضبة مهتاجة
قسما بالثواقب لا أدخل في دينك فيزرى برأيي ويضعف غقلي
وخرج مصعب من العنمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة.. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر لا يرى الا مرتديا أخشن الثياب يأكل يوما ويجوع أياماو ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتألقة بنور الله، كانت قد جعلت منه انسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة…
وآنئذ اختاره الرسول عليه الصلاة والسلام لأعظم مهمة في حينها
فبعد عودته من الطائف صلي الله عليه وسلم اذا بست نسمات طيبة من يثرب تهفو الي الحبيب عليه الصلاة والسلام وتنصت اليه فتؤمن بالله تعالي وبالنبي عليه الصلاة والسلام نبيا ورسولا ثم تلاهم في العام الذي بعده ستة نسمات اخري بايعوا الحبيب عليه الصلاة والسلام علي الموت في سبيل هذا الدين ثم عادوا الي يثرب بامر الرسول عليه الصلاة والسلام وكان لابد لهم بمن يعلمهم امور دينهم فاختار مصعب رضي الله عنه لهذه المهمة
كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنّا وأكثر جاها، وأقرب من الرسول قرابة.. ولكن الرسول اختار مصعب الخير، وهو يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة ويلقي بين يديه مصير الاسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة، ومنطلق الدعوة والدعاة، والمبشرين والغزاة بعد حين من الزمان قريب..
وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه واخلاصه فدخلوا في دين الله أفواجا..

أعجبني
تعليق
نسخ