عندما تَصدمُنا الحياةُ بأحداثِها المؤلمةِ و المُفجعةِ، نَجِدُ أنفسَنا في موقفِ الضّعفِ و العجزِ, و نحنُ نُواجِهُها. تلكَ اللحظاتُ القاسيةُ, تجعلُنا نشعرُ بوَهنِ قلوبِنا و بِضيقِ صُدورِنا، فلا نَجِدُ بُدًّا من اللُّجوءِ إلى مَنْ يُساندُنا, و يَقِفُ إلى جانبِنا, في هذهِ اللحظاتِ العصيبةِ. إنّ الإنسانَ في مُواجهةِ تلكَ المصائبِ و المَصاعِبِ, يَتطلّعُ إلى العونِ والمُواساةِ، يبحثُ عن كلمةٍ طيّبةٍ، وعن حضنٍ دافئٍ, يلجأُ إليهِ. نسعى إلى أولئكَ, الذينَ يستطيعونَ بَثَّ روحِ الأملِ في نفوسِنا، و يمنحونَنا القوّةَ لمُواجهةِ الآلامِ, و تَحَمُّلِها. فقط في هذه المواقِفِ، نُدرِكُ أهمّيّةَ الحبِّ و الصّداقةِ في حياتِنا، و نعلمُ – حينئذٍ – أنّ التّضامُنَ هو السِّلاحُ الأقوى ضدَّ الأحزانِ. نتذكّرُ أنّ الحياةَ رغمَ قسوَتِها و قَسَاوَتِها, تَحمِلُ في طيّاتِها مَنْ يقفُونَ معنا في المِحَنِ ة الشّدائِدِ، و يشدُّونَ على أيدينا لِنَنهضَ مِنْ جَديدٍ. هؤلاءِ همُ الأصدقاءُ و الأحبّاءُ, الذينَ ييُشارِكُنونَن, و يَتشَاركُونَ معنا عِبءَ الأيّامِ الثَقيلةِ، و يرسمُونَ على وُجُوهِنا ابتسامةً’ رُغمَ كلِّ شيءٍ, فلا قِيمةَ للحياةِ دونَ مَنْ يَسندُكَ في ضَعفِكَ، و يَقِفُ بِجَانِبِكَ في شِدِّتِكَ و مِحْنَتِكَ، و في لَحَظاتِكَ القاسيَةِ, لِيَجعَلَكَ, ترى النُّورَ في أعتى الظُّلُمَاتِ.
لقد جاء مصعب المدينة يوم بعثه الرسول إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول عليه الصلاة والسلام
وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة ارسل مسلمو المدينة إلى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلهم وينوب عنهم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم مصعب بن عمير رضي الله عنه
لقد أثبت “مصعب” بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار..
فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها. وعرف أنه داعية إلى الله تعالى ومبشر بدينه الذي يدعو الناس إلى الهدى والى صراط مستقيم. وأنه كرسوله الذي آمن به ليس عليه إلا البلاغ..
هناك نهض في ضيافة أسعد بن زرارة يفشيان معا القبائل والبيوت والمجالس تاليا على الناس ما كان معه من كتاب ربه هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله (إنما الله اله واحد)..
ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه لولا فطنة عقله وعظمة روحه..وقوة ايمانه
ذات يوم جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه ولم يكن قد اسلم بعد اخبار ان مصعب رضي الله عنه يجلس في حقل من حقوله يدعو الناس الي دين محمد ومعه اسعد بن زرارة وكانت له مكانه عند سعد فقال سعد لأسيد بن حضير اذهب الي هذا الرجل واطرده من ارضي فلولا انك تعلم مكانة اسعد بن زرارة مني لذهبت
فذهب أسيد الي مصعب في جمعه
فاجأه أسيد بن خضير سيد بني عبد الأشهل بالمدينة فاجأه شاهرا حربته و يتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم.. ويدعوهم لهجر آلهتهم, ويحدثهم عن إله واحد لم يعرفوه من قبل ولم يألفوه من قبل..!
إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها و إذا احتاجها أحد عرف مكانها وولى وجهه ساعيا إليها, فتكشف ضرّه وتلبي دعاءه… هكذا يتصورون ويتوهمون..
أما إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم فما أحد يعرف مكانه ولا أحد يستطيع أن يراه..!!
وما إن رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد بن حضير متوشحا غضبه المتلظي وثورته المتحفزة حتى وجلوا.. ورآه أسعد فغمز مصعب وقال له لقد جائك رجل حصيف عاقل احسن له القول و مصعب الخير ظل ثابتا وديعا متهللا..
وقف أسيد أمامه مهتاجا وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة:
“ما جاء بكما إلى حيّنا, تسفهان ضعفاءنا..؟ اعتزلانا إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة”..!!
وفي مثل هدوء البحر وقوته..
وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته.. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك بالحديث الطيب لسانه فقال:
“أولا تجلس فتستمع..؟! فان رضيت أمرنا قبلته.. وان كرهته كففنا عنك ما تكره”.
الله أكبر. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام..!!
كان أسيد رجلا أعرايبا عاقلا.. وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه إلى ضميره فيدعوه أن يسمع لا غير.. فان اقتنع تركه لاقتناعه وان لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم, وتحول إلى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مضارّ..
هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.. وألقى حربته إلى الأرض وجلس يصغي..
ولم يكد مصعب يقرأ القرآن, ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق.. وتتغير مع مواقع الكلم, وتكتسي بجماله..!!
حتي قال الحاضرون رأينا الاسلام يشرق في وجهه قبل ان يسلم
ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا:
“ما أحسن هذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين”..؟؟
وأجابوه بتهليلة وتكبيرة رجّت الأرض رجّا…جعلت العبرات تظرف من عيني أسيد… ثم قال له مصعب
يطهر ثوبه وبدنه ويشهد أن لا اله إلا الله”.وأن محمد رسول الله
فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه ووقف يعلن أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله..