العيش منعزلاً بقلم حكمت نايف خولي


العيش منعزلاً

في الغابِ في رُكنها المستورِ بالشَّجرِ…

في هدأةِ اللَّيلِ في تنهيدةِ السَّحرِ

حملتُ أشجانَ روحي مُنهَكاً تَعباً …

والحزنُ يسفعُني بالهمِّ والكدرِ

ولجتُ مكتئِباً غاراً تؤانسُني …

أصداءُ وحشتِهِ عن معشرِ البشرِ

أسلمتُ نفسي لصمتِ اللَّيلِ يَغسلُني …

من كلِّ خاطرةٍ طافتْ بها فِكَري

جرَّدتُ قلبي من الأوهامِ فانكشفتْ …

خلف السَّرابِ صحارى التِّيهِ والسَّدرِ

تفاهةُ العيشِ تُضني الفكرَ تجلدُه …

وتحجرُ الروحَ في زنزانةِ الخدرِ

تُلبِّدُ الوعيَ والإدراكَ تُرهِقُه …

والمرءُ يُمسي عديمَ الحسِّ كالحجرِ

وتحجبُ النورَ عن أبصارِنا فإذا …

مطامعُ الكسبِ أسمى غايةِ الظَّفرِ

غدرٌ وحقدٌ وأضغانٌ وشيطنةٌ …

قدحٌ وذمٌّ نِفاقٌ غيرُ مستتِرِ

ويصبحُ النَّاسُ أشباحاً تحرِّكُهم …

نجاسةُ العهْرِ والإفسادِ والضَّرَرِ

في لُجَّةِ العمرِ ينسى الخِلُّ صاحبَه …

يَضيعُ في زحمةِ الأهواءِ والوطرِ

في معبدِ الرَّغباتِ الشَّرُّ قِبلتُهُ …

يجودُ بالكلِّ قرباناً إلى سَقرِ

ويوجزُ الكونَ في ذاتٍ مضخَّمةٍ …

توهِمهُ صارَ ربُّ الكونِ والقدرِ

يا من تُعيبُ عليَّ العيشَ منعزلاً …

إنِّي أرى أخلصَ الخلاَّنِ في الشَّجرِ

أغنى المنازلِ غارٌ أستريحُ به …

وأحتمي من فضولِ النَّاسِ والهذرِ

ألوذُ بالغابِ مأوىً أستجيرُ به …

من ربقةِ الرِّجْسِ في المستنقعِ القذرِ

فالعيشُ بين الورى عبءٌ وتهلكَةٌ …

فاربأْ بنفسِكَ عن دوَّامةِ الخطرِ

ففي الطَّبيعةِ تلقى الرُّوحُ غِبطتَها …

والنَّفسُ تَطهرُ بين الطَّيرِ والزَّهَرِ

والقلبُ يصفو من الإغواءِ من فِتَنٍ …

تُرَوِّجُ الشَّرَّ في شتَّى من الصُّورِ

والفكرُ يسمو بعشقِ اللهِ مرتفِعاً …

فوق الضَّلال ِ وفوق الزِّيفِ والصِّغَرِ

حكمت نايف خولي

أضف تعليق