الجدران والحرية كتب القصة عبده داود

الجدران والحرية9.6.2021أحضر أبني طيراً أصفر اللون يسمونه الكناري، أسكنه في قفص جميل مذهب، وقال لنا سوف تستمتعون بزقزقته، ويؤنسكم حضوره. وهذا ما كان، كانت زقزقته أشبه بفرقة موسيقية متناغمة الأداء، رائعة الألحان، بالفعل ابهجتنا…وهبناه مكاناً مميزاً في بيتنا. وصرنا ننفذ التعليمات التي أفادنا بها أبننا، حول احتياجات هذا الغريب وطلباته المميزة من أنواع الأطعمة التي يحبها.أمور كثيرة لم نكن نعرفها في الماضي، في الواقع لم تكن لنا تجربة مع الطيور سابقاً. لكن عندما سكن عندنا هذا الوافد الجديد، أحببناه بالفعل، وزادت اهتماماتنا به، لدرجة إننا تقيدنا بكامل الشروط اللازمة التي تعلمناها من المهتمين بتربية الطيور…باختصار، زاد عدد افراد اسرتنا عضوا جديداً.والحدث البارز، هم أحفادي الذين كادوا يطيرون فرحا، بوجود هذا الأصفر الجميل، ويطلبون منا أن ننزل القفص المعلق، ونضعه أمامهم على الطاولة ليجلسوا حوله يراقبون حركاته باهتمام شديد، يرافق فرحتهم، هرج ومرج وتصفيق عند كل حركة أو زقزقة يقوم بها صديقهم الطائر…كما أدركوا قدر الاهتمام والخدمات التي نحيف بها طائرنا الضيف العزيز، فأسموه بالمدلل. وتعودوا بان ينادونه باسم الدلع…”المدلل”كانوا يصفرون ويغنون معه محاولين تقليد صوته. محاولين التواصل مع ذاك المطرب بكل وسائلهم البريئة الطفولية…صارت فرحة أحفادي الكبيرة هي زيارتنا، أو بالأحرى زيارة ذلك الطائر صديقهم… وكانوا يمانعون بالعودة لمنازلهم، حتى لا يتركوا المدلل خلفهم، وعندما أهلهم يضغطون عليهم للعودة، كانت السلامات والقبلات بالهواء إلى صديقهم العزيز، ولم ينسوا توصيات جديهم الاهتمام بالطير صديقهم المحبوب، كانوا يأمرونا ألا ننسى أن نطعمه ونعتني به جيداً. وكم طلبوا منا أن يأخذوا ذاك الطائر إلى منزلهم وإلى مدارسهم وروضاتهم…جدتهم وعدتهم بان تهديهم في أعياد ميلادهم طيراً لكل واحد منهم… ببساطة هي اوجدت لهم هماً جديدا في العمليات الحسابية، وتقويم السنة… مما جعلهم يحفظون أيام الأسبوع، وأسماء الأشهر، وتتابعها منتظرين حضور أعياد ميلادهم…حفيدنا الصغير كان يسألنا عن موعد عيد ميلاده، رغم إننا احتفلنا بعيده منذ أيام قليلة…حتى زوجتي، التي لم تكن تحب الطيور، أحبت هذا الكناري، وصارت تسأل عن أنواع الحبوب التي يحبها وتحضرها له…أنا كنت أتساءل: أليست خطيئة علينا أن نحبس هذا المسكين في قفص، ونحرمه حريته، فقط حتى نسمع تغريده… وكنت من ناحية ثانية، أراجع نفسي وأقول ربما هو يحب القفص المذهب والطعام الوفير والعائلة وأصدقاءه احفادي، ولا يحب المغادرة… واتساءل: لكن هل هناك أعظم من الحرية، هل هناك أجمل من الفضاء، والسماء، حيث يجد أصدقائه الطيور المغردة…وكنت أعيد تساؤلاتي، كل يوم وأخمن فرضيات جديدة…وأتساءل هل الطيور تحب الحرية مثلنا؟ وأيهما الأفضل له أن يغادر ويواجه مخاطر صعوبات الحياة من بنادق الصيادين الغبية، أو حر القيظ في الصيف، أو صقيع الشتاء البارد، وما أكثر من الصعوبات التي سيواجهها في الخارج، أليس الأفضل له أن يبقى عندنا عزيزاً مكرماً…ينعم بالحياة المرفهة، وأصدقاء يحبونه ويدللونه…وأخيراً أقنعت نفسي بانه سيعود لا محال، من الصعب له أن يتحمل مصاعب الحياة، بعد أن توفرت له جميع وسائل الرفاهية… وفتحت له باب السجن الذهبي، حتى أثبت نظريتي، أيهما أفضل الحرية أم القفص الجميل؟فتحت باب القفص، حينها غرد الطير الحانا رائعة، لم أسمعها منه خلال وجوده عندنا. طار بعيداَ، انتظرته طويلاً، كنت متأكداً بانه سيعود، ربما يراعي دموع زوجتي لفراقه، ربما يشتاق إلى أحفادي الذين لم يعودوا يحبون زيارتنا…لكن الكناري لم يعد، لأنه وجد الحرية…وجد حياته ووجد كرامته، وجد أصدقاءه الذين هو منهم، وجد وطنه الذي خلق فيه. وجد الحب، لقد عاد إلى حيث ينتمي… كتب القصة: عبده داود

أضف تعليق