( الطرشاء العمياء ) قصة قصيرة بقلم \ القاص والشاعر رشاد على محمود

(الطرشاء العمياء)
دلف الطبيب إلى قاعة المحاضرات وبعد أن حيا طلابه أخبرهم بأنه سيقتطع جزءا من المحاضرة للتحدث عن قيمة وعظمة الوفاء ومدى أهميته في حياتنا؛ وعن مدى قبح وفداحة الخيانة وللتدليل على ذلك لم يجد أصدق من أن يحكي لهم قصة إحتوت على النقيضين معاً؛
بل وانها من مداد وأوراق صاحبتها والتي كانت تقضي وقتها في العبادة وكتابة احداثها وخواطرها اليومية وكل ما فعله انه اختصر أحداثها٠
بعد زواجها بعدة سنوات وكانت تعيش حياة هانئة مع زوجها في إحدى المدن الساحلية إنتبهت ان زَوجها دائما شارد الذهن حزين فحدثت نفسها بأنه وجب عليها بأن تضحيَ وتعرض عليه الزواج بأخرى وستظل هي في حياته بعد أن ثبت لها بما لا يدع “مجالا للشك بأنها لن تنجب” إذا تراءى له ذلك ولكنه رفض رفضاً قاطعاً وتكرر الرفض كلما تكرر العرض؛ مر على زواجهما ما يقرب من العقدين من الزمان وعندما قررت المؤسسة التي يعمل بها زوجها انها ستفتتح فرعا في إحدى المحافظات النائية والتي كان هو من بين من سيشملهم الإنتقال وذهب هو لإعداد سكن مناسب ثم العودة لإصطحابها؛ فقضت عدة ايام وحيدة حزينة حتى إصيبت بفقدان السمع (الطرش) ولم تدرِ لذلك سببا ولم تهتم؛ وهناك كانا قد تعرفا على إحدى الأسر البسيطة وكانت لديهم إبنة ففكرت انه نظرا لما جد من ظروف مرضها (الطرش) والظروف المعيشية لهذه الاسرة كلاهما لن يتردد في أمر الزواج وقد كان؛ أنجبت الزوجة من زوجها ولدين كان الأصغر هو الأقرب لها قبل أن يستجيب لضغوط أمه عليه وقبل ان تتغير معاملتها لها بعد الإنجاب؛ تذكرت هي كل ذلك حينما شعرت بحرارة الغرفة وانتبهت لإنها تأخرت في نومها بعد جلبة الأمس والتي لا تدري لها سببا؛ كما تذكرت أيضا منذ عدة سنوات عندما حزنت لحالها وظلت تبكي وحيدة وهي تسمع دعابات زوجها مع زوجته وإبنيه حينها ظلت تبكي طوال ليلتها ثم نامت ولم تصحو إلا على بصر مفقود؛ ونظراِ لإلتزمات زوجها نحو أسرته لم تكلفه ما لايطيق وارتضت بقضاء الله وقدره؛ هتفت لإبن زوجها الأصغر لكي يناولها بعض اللقيمات لتسد رمقها فلم يستجب لنداءها احد وبعدها تأكد لها بأنه لا يوجد أحد سواها فيبدو انهم قد غادورا؛ فقد كان الزوج قد إتصل بزوجته بانهم سيقضيان إجازة لمدة أسبوع وهذه منحة من المؤسسة لبعض الموظفين وانه سيسبقهم إلى المدينة لإعداد سكن مناسب وعليهم ان يأتوا بزوجته السابقة معهم؛ وعندما هم بالسؤال أين زوجته أخبرته الزوجة الثانية بأنها رفضت المجيء وأنها هيئت لها أمورها فلا يقلق وكانت تكذب؛ ظلت السيدة تتحسس الحوائط لكي تصل إلى بعض لقيمات تقتاتها فلم تجد؛ حينها لم تجد بدا من الوصول إلى الباب وإن تستنجد بأحد الجيران وعندما وصلت إلى كالون الباب وبعد أن بذلت جهدا فوق العادة وصلت إلى كالون الباب والذي كان مغلق بالمفتاح وأصبح هذا الأمر غير مهم بالنسبة لها لأن الروح وصلت إلى حلقومها وسقطت على الأرض بعد أن صعدت الروح إلى بارئها؛
وحين انتهى الدكتور من سرد القصة وجد احد الطلاب يسأله وهل لك علاقة بصاحبة القصة يا دكتور؟
فصمت الطبيب وأجابت بدل عنه دمعتين قد سقطتا علي وجنتيه؛ فلم يكن الطبيب إلى إبن زوجها الأصغر ٠ ٠ ٠
قصة قصيرة بقلم/ القاص والشاعر رشاد على محمود

أضف تعليق