( الحور العين )
لا يزال المسلمون يعتقدون بأن الحوريات في جنان الخلد هنٌَ عبارة عن زوجات في غاية الجمال خصٌَ المولى عز وجل عباده المتقين بهن … ويزعم البعض أن نصيب كل مؤمن إثنتان وسبعين حورية … وأنهُن بمثابة الزوجات … بل وذهب البعض في محاولةٍ لجعل الأمر منطقي مع هذا العدد الكبير من الزوجات بأن الخالق العظيم يضاعف القدرة الجنسية للمؤمن أضعافاً كثيرة حسب حاجته وذلك ليتمكن من القيام بواجباته حيالهن …
وإن سألت أصحاب هذا التفسير عن نصيب النساء من الحور العين الذكور إلتزموا الصمت وأحمرٌَت وجوههم خجلاً …
والله العادل الحكيم لا يمكن أن ينتقص من حقوق بعض خلقه ويُحابي بعضهم على بعض في النعيم حتى في هذه الجزئية … وحاشى لله العادل الحكيم أن يفعل ذلك بعباده .
ولكن أصحاب هذه النظرية في تفسير النص القرآني قد جانبهم الصواب لأبعد الحدود ولا سيما حينما ذهبوا في تفسيرهم إلى أن …
الحور العين ليسوا من البشر …بل هنٌَ من جنس الملائِكة ويتجسدن لأهل الجنة بأشكال بشرية غاية في الجمال…
وكذلك هو شأن ( الولدان المخلٌَدون ) الوارد ذكرهم في قوله تعالى … ( يطوف عليهم ولدانُُ مُخَلٌَدون )
وأنه لا يمكن أن تتم عملية التزاوج بين البشر وبين الملائكة بسبب إختلاف طبيعة الجنسين … وتناسوا بأن قوانين السماء تختلف تماما عن قوانين الدنيا … أليس الله بخالق ؟ … حيث تبدل الأرض غير الأرض والسماء غير السماء … وأنه ما يصلح للحياة الدنيا لا يصلح للحياة الأبدية ..، فلا تجادلوا الله في خلقه … وهو الخالق العظيم
ولاحظوا معي وصف الله جل شأنه ( للحور العين ) بقوله تعالى … ( عُرُباً أترابا ) … وفي نصٌٍ آخر ( كواعب أترابا ) فهل تعلمون ما تعني هاتان الصفتان … فالفتاة (العُرُب ) هي الفتاة قبل سن البلوغ والتي ليس لها صدرُُ ظاهِر …. أي أنهُن أقرب إلى الطفولة (كالولدان المُخَلٌَدون )
وأما الصفة الثانية وهي ( أترابا ) فهذه الصفة تعني الرفيق أو الصديق … مثل قولنا … يلعبُ الولدُ مع أترابه … أو تخرجُ الفتاةُ مع أترابِها أي صديقاتها …
وهكذا يمكننا أن نؤكد بأن (الحور العين ) … أي أصحاب العيون الواسعة الكحلاء …
وقد ذهب بعض المفسرين المحدثين مثل الدكتور ( علي الكيالي ) مذهبا بعيدا في التفسير والتأويل لا يقره النص القرآني الواضح والصريح … (وزوجناهم الحور العين )
فقوله … ( وزوجناهم ) لا يمكن أن تنصرف إلى غير الزواج المعروف لغة وعرفا ،
فالكلام المطلق يسير على إطلاقه ..، ولا يمكن تقييده إلا بنص واضح وصريح …
أما بالنسبة إلى الولدان المخلدون إنما هم لخدمة أهل الجنة وليس للتزاوج معهم … كما هو شأن مضيفات الطيران … مع الفارق الكبير بين المثالين
ويتابع الدكتور علي الكيالي تفسيره ( للحور العين ) وكأنه يريد أن ينتقص من نعيم الجنة … ذلك النعيم ( منقطع النظير ) … ” فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر “
أي يا أيها الحالمون ( بالحور العين ) عليكم أن تكفوا عن ذلك التوهم
ومع يقيننا بوعد الله لعباده المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار أعدت للمتقين أسهب في وصفها القرآن الكريم وحدث عنها إمام المرسلين عليه أفضل الصلاه والتسليم … إلا أن ما عدا ذلك يبقى غيبا من الغيوب لا يجوز لنا إعمال الخيال به والإسراف بشرحه .
وفي درسٍ فقهي كان يشرحه أحد الفقهاء … كان يصف لمن يحضره أن زوجة المؤمن في الدنيا تكون زوجته في الجنة ولكن في أبهى مظهرٍ لها وذات جمال مذهل كما يشتهي ويرغب زوجها … وكذلك الزوج يكون كما تتمناه زوجته فإعترض أحد الحاضرين قائلاً … يا إمام أنا لا أريد أن تلحق بي زوجتي في الجنٌَة يكفيني ما أصابني منها في الدنيا
فتبسم الفقيه قائلاً إن الله ينزع كل الصفات السيئة من أهل الجنٌَة ويبدٌِلها بأجمل الصفات وأتَمٌَها
والخلاصة أيها السادة … أنه ليس للإنسان في الجنان إلا زوجة واحدة … وتعدد الزوجات في الحياة الدنيا كان لأغراض تتناسب مع الحياة الدنيا وفي ظروف حددها شرع الله الكريم … وإن طغى بعض البشر وخالفوا مقاصد الشرع في تصرفاتهم ومطامعهم …
والثابت أن سيدنا آدم في الجنة وقبل هبوطه مع زوجته إل الأرض الدنيا لم يكن له إلا أمنا حواء
ولما كان ربنا جل شأنه من صفاته وأسمائه الحسني ( العَدل)
فقد ساوى بين الذكر والأنثى في الدنيا والآخرة وقال جل شأنه … ( لهُن مثل الذي عليهِنٌَ بالمعروف
وقال …( أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم )
فليس للرجل في الجنة سوى زوجته وليس للزوجة سوى زوجها … هذا إذا كان الزوجان من أهل الجنةأما إذا كان أحدهما من أهل النار أعتق الله رقابنا منها … فلله القادر الخالق البدائل المناسبة فلله المثل الأعلا …
أما إذا إحتج أحد الزوجين أنه لا يريد الزوج أوالزوجة … يُبَدٌِلُ الله تعالى من أوصافه إلى الشكل الذي يرغبه كل منهما ويتمناه في الآخر … لأن الجنه هي ( جنة المأوى ) الأبدية فلا يمكن لأحد من سكان الفردوس أن يشعر بالغضاضة أو الملل أو الظلم وهو في حما رب العالمين
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فيا فوز المستغفرين
اللهم إجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه …
وهذا عبارة عن إجتهاد لبعض الفقهاء لا نتبناه ولا ننكره …
فمن إجتهد فأخطأ فله أجر ومن إجتهد فأصاب فله أجران
والله سبحانه وتعالى أعلا و أعلم
وإن إجتهدت برأي أو تعقيب … فانا أرجو من الله أن أكون قد لامست الحقيقة ولم أجانبها … وما توفيقي وتوكلي إلا على الله جل في علاه .
تحياتي للجميع
بقلمي
المحامي عبد الكريم الصوفي
اللاذقية ….. سورية

١١
تعليق واحد
أعجبني
تعليق